حوار العدد: الشيخ علي هاشم السراج لـ”ملف الهدف الثقافي”:

صحيفة الهدف
  • الحرب غربلت المجتمع، وزفة أم درمان أعادت بصيص الأمل
  • محبة النبّي ﷺ في وجدان السودانيين طقس شعبي يتجاوز حدود السياسة والقبيلة
  • اجعلوا المولد مناسبة للسلام لا مبرراً للقتال 

في ظل ظروف استثنائية تمر بها البلاد، وتحديداً في زمن الحرب التي أثقلت كاهل الإنسان السوداني وشتت الأسر وهزت الوجدان، يبرز الحنين الجارف لاستعادة المعاني الروحية والجامعة التي طالما تميز بها المجتمع السوداني. وحين تقترن ذكرى المولد النبوي الشريف بواقع الأزمة الراهنة، تبرز الحاجة الملحة للحديث مع أهل الفكر والعلم والتوجيه، لاستنطاق الدلالات العميقة لسيرة المصطفى ﷺ، وكيف يمكن لثقافة المحبة والسلام المتجذرة في الوجدان الشعبي السوداني أن تكون طوق نجاة ومدخلاً حقيقياً لوقف الاقتتال واستعادة لحمة الوطن. من هنا، كان هذا الحوار مع الباحث، الشيخ علي هاشم السراج، لنطوف معه في رحاب الذكرى النبوية العطرة، قراءةً وتحليلاً واستشرافاً لمستقبل السلام في السودان.

حوار: محمد حماد عبدالمنعم

#المولد النبوي عند السودانيين يتجاوز المناسبة الدينية إلى طقس اجتماعي وثقافي يجتمع حوله الناس بمختلف قبائلهم وجهاتهم وتوجهاتهم. ما سرّ هذه الخصوصية السودانية في الاحتفال ومحبة الرسول ؟

الشيخ علي هاشم السراج: السودانيون نشأوا منذ نعومة أظفارهم على محبة النبي ﷺ، وتغلغلت هذه المحبة في عاداتهم وتقاليدهم وحياتهم اليومية، ولم تعد مجرد شعيرة مرتبطة بمناسبة دينية.

ومن أبرز مظاهر ذلك زفة المولد النبوي الشريف التي يخرج فيها الناس بمختلف سحناتهم وألوانهم وأعراقهم واتجاهاتهم، يجمعهم شيء واحد: محبة رسول الله ﷺ. وهذه المحبة تبدأ مبكراً، منذ الخلوة؛ فالطفل الذي يتعلم القرآن ويجد حلوى المولد واحتفالاته وأناشيده، ينشأ وهو مرتبط بهذه المناسبة وجدانياً وروحياً.

ولذلك ليس غريباً أن تجد عبارة «صلّوا على النبي» حاضرة حتى في تفاصيل الحياة اليومية. إذا حدث خلاف بين شخصين قال أحدهما: «صلّوا على النبي»، وإذا أراد أحدهم تخفيض السعر في البيع والشراء قال: «صلّ على النبي». أصبحت الصلاة على النبي جزءاً من الوجدان الشعبي السوداني، مغروسة في السلوك الاجتماعي وفي تفاصيل الحياة.

أما زفة المولد، ففيها صورة رمزية جميلة؛ فالناس يتحركون جماعات نحو ميدان الاحتفال، وكأنهم يستحضرون معنى الاجتماع على الخير، وهو معنى قريب من قوله تعالى: ﴿وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقَوْا رَبَّهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا﴾. ولذلك فإن سر هذه الخصوصية السودانية يعود في جانب كبير منه إلى التربية الدينية والاجتماعية التي جعلت محبة النبي ﷺ جزءاً من تكوين الإنسان السوداني.

#كيف تقارنون بين احتفالات المولد قبل الحرب واحتفالاته في زمن الحرب؟ وماذا فقد السودانيون، روحياً واجتماعياً وثقافياً، بسبب الحرب؟

الشيخ علي هاشم السراج: الحرب أثرت في الإنسان السوداني تأثيراً عميقاً، ويمكن القول إنها كانت بمثابة غربال كشفت كثيراً من الأشياء وغيّرت سلوك الناس إلى الأسوأ في جوانب عديدة. فقد برزت بصورة أكبر القبلية والعنصرية والجهوية، وانتشر التعلق بالمال ولو بأي وسيلة، كما ضعفت الروابط الاجتماعية.

والحرب لم تجرح الجسد وحده، وإنما أصابت الروح أيضاً. فقد عاش الناس القهر والذل والإهانة، وشهدوا السرقة والاغتصاب والقتل والنزوح، وكل ذلك ترك آثاراً نفسية وإيمانية عميقة.

أما اجتماعياً، فقد فقدنا شيئاً من روح التكافل التي عرف بها السودانيون. في السابق كان الضيف يجد من يحتفي به ويحتويه، أما اليوم فقد أصبح الإنسان نفسه يبحث عمن يحتويه.

وظهرت خلال الحرب مفردات وثقافات جديدة، مثل «بل بس» و«جغم»، وأصبحت بعض هذه المفردات جزءاً من خطاب الشباب، وهي من إفرازات الحرب وثقافتها.

لكن ما يبعث على الأمل أن بعض مظاهر الاحتفال بالمولد، ومنها زفة أم درمان الأخيرة، أعادت إلى الأذهان صورة السودان المتماسك، وأعادت شيئاً من اللحمة الاجتماعية الأمدرمانية. وأم درمان، في تقديري، واجهة للسودان كله؛ ولذلك فإن عودة الناس إلى الاجتماع والاحتفال معاً تحمل دلالة تتجاوز المناسبة نفسها.

#طرفا الحرب في السودان يتحدثان عن الإسلام ومحبة الرسول ؛ فكيف نحول هذه المحبة المشتركة من شعار إلى مدخل للسلام ووقف الحرب؟

الشيخ علي هاشم السراج: المشكلة أن كل طرف من أطراف الحرب يرفع شعارات دينية، ويكبر الله وهو يقاتل، وكأن كل طرف يرى أنه يدافع عن عقيدته وفكرته. وهنا تكمن المفارقة الكبرى: كيف تتحول محبة النبي ﷺ إلى مبرر للقتال، بينما كان النبي رسول رحمة وسلام؟

القرآن وضع لنا الطريق بوضوح حين قال: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. فالواجب الأول هو الإصلاح، وليس تعميق الحرب.

وهنا يأتي دور العقلاء من الإدارة الأهلية والطرق الصوفية ورموز المجتمع والمثقفين وكل أصحاب التأثير. لكن المؤسف أن بعض هؤلاء انقسموا بدورهم إلى معسكرات، وأصبح بعضهم جزءاً من الاستقطاب بدلاً من أن يكون جسراً بين السودانيين.

نحن بحاجة إلى أن نترجم المحبة إلى فعل. فالإسلام دين محبة وسلام وأمن وأمان، وشعار المولد الأعظم ينبغي أن يكون قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾.

وأرى أن في سيرة النبي ﷺ إشارات عميقة إلى هذه المعاني؛ فاسم أمه آمنة يستدعي معنى الأمن، واسم مرضعته حليمة السعدية يستدعي الحلم والسعادة، ومرضعته ثويبة الأسلمية تحمل في اسمها معنى السلم. وهذه المعاني ينبغي ألا تبقى مجرد إشارات نرددها، وإنما أن تتحول إلى سلوك في حياتنا.

#يتميز السودانيون بالمديح النبوي والصلاة على الرسول ، حتى أصبح المديح جزءاً من وجدانهم وثقافتهم. ما الذي يميز التجربة السودانية في هذا المجال؟

الشيخ علي هاشم السراج: السودانيون يمتازون بمحبة النبي ﷺ من خلال المديح، بل ومن خلال الفن الشعبي والفلكلور أيضاً. فحين تسمع في المناسبات: «البنية لابسة ثوبها وصلاة النبي فوقها»، أو في أعراسنا «صلوا عليه صلوا عليه»، أو «بالمصطفى مني ليك سلام»، تجد أن محبة النبي ﷺ ليست منفصلة عن الثقافة الشعبية، وإنما متغلغلة فيها.

المديح النبوي شكّل وجدان الشعب السوداني منذ أجيال طويلة، ولذلك تختلف تجربتنا عن كثير من التجارب العربية في أن حضور النبي ﷺ عندنا ليس محصوراً في الاحتفال الديني، وإنما يمتد إلى المدارس والأعراس والمناسبات الاجتماعية والطفولة والأغنيات الشعبية.

حتى الطفل السوداني يتعلم منذ صغره أناشيد مثل «طلع البدر علينا»، وينشأ على سماع المديح النبوي.

والأهم أن المديح السوداني لم يكن مجرد كلمات في المحبة، وإنما حمل قيماً وسلوكيات؛ فهو يدعو إلى التواصل والتراحم والتحابب ونبذ الكراهية. ولذلك أقول إن النبي ﷺ حي في ضمائر السودانيين محبةً وعطاءً وسلوكاً.

#كيف يختلف الاحتفال بالمولد النبوي في السودان عن نظيره في الدول العربية، وما الذي يميز التجربة السودانية؟

الشيخ علي هاشم السراج: الخصوصية السودانية تتمثل في أن النبي ﷺ أصبح جزءاً من الثقافة بكل مستوياتها، وليس فقط جزءاً من المناسبة الدينية.

في السودان تجد المولد في المديح، وفي الفلكلور، وفي الأعراس، وفي المدارس، وفي الخلاوى، وفي المساجد، وفي المجالس الاجتماعية. ولذلك فإن المولد عندنا ليس مناسبة عابرة في التقويم، وإنما مناسبة تستدعي تاريخاً طويلاً من التربية والمحبة.

والمسيد نفسه نموذج لهذا التنوع؛ تجد فيه النوباوي، وأهل الغرب، وأهل الشرق، وكل ألوان الطيف السوداني، يجتمعون على محبة واحدة. وهذا يجسد بصورة عملية قوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ﴾.

ولذلك فإن التجربة السودانية تتميز بأن المولد ليس احتفالاً دينياً فقط، بل مساحة للتعايش الاجتماعي والثقافي.

#أين يقف المثقف السوداني من ذكرى المولد؟ وهل استطاع الشعر والمديح والغناء والسيرة والفنون أن يستلهموا من سيرة الرسول قيماً تواجه الكراهية والعنصرية والانقسام؟

الشيخ علي هاشم السراج: المديح السوداني قدم نماذج كثيرة في هذا الاتجاه، ويمكن أن نشير مثلاً إلى الشيخ البرعي، الذي نظم في سيدنا بلال وسيدنا سلمان الفارسي وغيرهما، مؤكداً أن معيار الكرامة ليس اللون ولا العرق ولا الأصل.

وهذه قيمة مهمة جداً في مجتمع مثل السودان، لأن المسيد كان وما يزال في صورته المثالية مكاناً يجتمع فيه الناس من مختلف الجهات والأعراق. ولذلك فإن المديح النبوي يمكن أن يكون مدرسة عملية لمواجهة العنصرية والجهوية والكراهية.

المطلوب من المثقف والفنان والشاعر اليوم أن يعيد قراءة هذه القيم، وألا يكتفي باستدعائها بوصفها تراثاً. نحن بحاجة إلى تحويلها إلى خطاب معاصر يواجه خطاب الكراهية والانقسام.

فإذا كانت سيرة النبي ﷺ قد علمتنا المساواة بين الناس، وإذا كان بلال وسلمان وصهيب نماذج حاضرة في الذاكرة الإسلامية، فلماذا نعود اليوم إلى التمييز على أساس القبيلة أو الجهة أو اللون؟

#كيف نفهم التناقض بين الاحتفال بمولد نبي الرحمة وبين انتشار خطاب الكراهية والاقتتال والتحريض؟ وهل أصبحنا نحتفل بالمولد أكثر مما نتمثل أخلاق صاحبه؟

الشيخ علي هاشم السراج: أنا لا أرى تناقضاً في أصل الاحتفال، وإنما أرى المشكلة في أن يتحول المولد إلى احتفال فلكلوري منفصل عن الرسالة التي جاء بها النبي ﷺ.

المولد يمكن أن يكون سوقاً ربانياً ومؤتمراً شعبياً يجتمع فيه الناس على المحبة، لكن لا بد أن يخرج الإنسان منه متأثراً بصاحب الذكرى.

وقد شهدت ذات مرة اجتماعاً لبعض المشايخ كانوا مختلفين ومتناحرين، وكانوا يريدون في الوقت نفسه أن يحتفلوا بالمولد. فقلت لهم: أنتم تريدون أن تحتفلوا بميلاد من؟ بميلاد نبي الرحمة المهداة؟ نبي من يعفو عمن ظلمه ويعطي من حرمه؟ أم تريدون احتفالاً فلكلورياً فقط؟

هذه هي القضية.

حتى معنى كلمة «احتفال» في اللغة يحمل دلالات مهمة؛ فهي ترتبط بالاهتمام والتجميل والاجتماع. وكل هذه المعاني ينبغي أن تتجسد في المولد: اجتماع الناس، والاهتمام بسيرة النبي ﷺ، وتزيين المجالس، ثم الأهم: تزيين الأخلاق والسلوك.

ولهذا ينبغي أن يكون شعار المولد: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾.

#إذا كانت محبة الرسول تجمع السودانيين رغم اختلافاتهم، فهل يمكن أن تصبح ذكرى المولد جسراً للمصالحة؟ وما رسالتكم لطرفي الحرب وللسودانيين في هذه المناسبة؟

الشيخ علي هاشم السراج: نعم، يمكن للمولد أن يكون جسراً حقيقياً للمصالحة إذا انتقلنا به من الاحتفال بالمظهر إلى الاحتفال بالمعنى.

والقرآن أعطانا قاعدة واضحة في التعامل مع الاقتتال الداخلي: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا﴾. واللافت أن القرآن، رغم وقوع الاقتتال، لم ينزع عن الطائفتين وصف الإيمان، وإنما دعا إلى الإصلاح أولاً.

ثم قال: ﴿فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي﴾، ثم عاد إلى الإصلاح إذا فاءت الفئة الباغية: ﴿فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا﴾.

المطلوب إذن ليس أن يأتي كل طرف بأجندته الخاصة، وإنما أن يجلس العقلاء لوضع أجندة للسلام وإنهاء الحرب. وأنا أعمل في مجال فض النزاعات منذ سنوات، وأؤمن بأن أهل الخبرة والعقلاء قادرون على وضع مداخل حقيقية لإيقاف هذه الحرب إذا توافرت الإرادة.

والنبي ﷺ يقول في المعنى: «صل بين الناس إذا تفاسدوا، وقرب بينهم إذا تباعدوا». وهذه هي الرسالة التي نحتاجها اليوم.

رسالتي إلى طرفي الحرب: اجعلوا ذكرى المولد مناسبة للعودة إلى السلام، لا مناسبة جديدة لتبرير الحرب. ومن يملك القوة عليه أن يملك شجاعة السلام.

ورسالة المولد لكل السودانيين هي أن نخرج من شمس الحرب إلى فيء السلام؛ فالفيء ظل وراحة ونسمة بعد الحر، ونحن بحاجة إلى أن نعود من حرور الحرب إلى ظل السلام والمحبة والتسامح.

نسأل الله أن يحقق للسودان أمنه وأمانه وسلامه، وأن يجعل مولد المصطفى ﷺ مناسبة لعودة المحبة إلى قلوب السودانيين، وعودة السودان إلى أهله آمناً معافى.

#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #السودان #الشيخ_علي_هاشم_السراج #زفة_المولد #محبة_الرسول #سلام_السودان #وحدة_الوطن

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.