خالد ضياء الدين
في كل عام يحتفل المسلمون بمولد النبي محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، وتعلو المآذن بالتكبير والتحميد والتسبيح، وتزدان الشوارع، وتعلو أصوات المادحين لجناب سيدنا النبي.
وفي المقابل، يستعد نفر من المسلمين لتكرار فتاواهم القديمة، متهمين المحتفلين بأصحاب البدع وعدم شرعية الاحتفال بالمولد. وهكذا، بين محتفل مصمم ورافض متحفز، تتخلل ذكرى ميلاد الحبيب كل عام الخطابات التكفيرية والاتهامات التي يصل بعضها إلى الشرك، والعياذ بالله.
لقد حولوا ميلاد المصطفى إلى ندوات من التكفير والشتم والتهديد والوعيد، وكأنما حُلّت كل مشاكل الدين في عصرنا الحديث وقضايا إنسانه، وانحصرت في صحة الاحتفال أو بدعته.
خيمة للمولد فيها ذكر ومدح، يؤخذ على بعضهم تعظيم المحبين إلى شيوخهم، يتهمهم البعض بأنه فارق الحد ووصل درجة بعيدة من القناعة بقدراتهم الخارقة للطبيعة، وأخرى قريبة منها فيها متحدثون يرغون ويزبدون، مفتين بعدم صحة الاحتفال جملة وتفصيلاً، ويسخرون من الطرف الأول، وكل يأتي بأسانيد وأقوال تدعم موقفه، وهكذا تتزعزع خيمة الإسلام الجامعة لدرجة تجعل الأجيال القادمة لا مع هذا ولا مع ذاك وهنا تتلاقفهم، خطابات واجتهادات قصد منها النيل من الإسلام.
ألم يلهمنا ميلاد الرسول المحبة بين المسلمين؟
أليس من الأفضل أن نجعلها مناسبة لتقريب وجهات النظر، والحديث بالتي هي أحسن للإقناع، لفائدة المسلمين؟
هذا يكسب لطائفته وطريقته، مستغلاً محبة الناس للنبي والاحتفاء به يوم مولده، وهناك من «يكبّر كومه»، مستغلاً هنات هنا وهناك ليجعل منها سبباً في قطيعة كل عام تزداد وتتجذر، حتى كثرت الندوات والمناظرات والهتر بين المسلمين، في المساجد، والأسواق، والجامعات، حتى وصلت إلى حد قد يصعب الرجوع عنه. وعما قريب سيحدث ما لا تُحمد عاقبته، طالما تطور خطاب الهتر والكراهية والاتهام المتبادل.
لماذا نجعل من ميلاد نبي الرحمة والسلام مناسبة للخصام؟ ولماذا لا نجلس كمسلمين موحدين بمنتهى المحبة والإخاء في الله، لنتجادل بالتي هي أحسن وصولاً لطريق يرضاه الله ورسوله؟
تخيل معي لو أن رسول الله، بقدرة الله، أراه خالقه احتفالات المسلمين بمولده، ورآهم منقسمين: هذا يكفر ذاك، وهؤلاء يتحفزون لقتال إخوانهم، عصي وسيوف خلف الخيام، وغداً بنادق ومتفجرات. أيرضاها رسول الله؟
رسول المحبة يجب أن تغرس قيمه فينا كمسلمين، وهو الطيب الذي كان يعرف المنافقين بالاسم، ولم يقتلهم، بل همَّ بالصلاة على جنازة أحدهم. صادق اليهودي وتعامل معه بالمحبة، وتعامل مع مارية القبطية بالإكرام، وتزوج صفية بنت حيي بن أخطب، أحد زعماء بني النضير وهي قبيلة يهودية، فما بالنا لا نسير على خطاه؟
«لو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك»، فلماذا ونحن ندعي محبة الرسول ونتمسك بشكليات مظهر لباسه وعمامته، أو نطرب لمدحه، لا نتمثله قيماً إنسانية صاغته وكانت مفتاحاً لدعوته؟
لو أنكم أحباب رسول الله، فأحبوا بعضكم، ولو اختلفتم، فما ضاع الإسلام وتقلصت أرضه إلا بعد الفتنة وخطاب الكراهية والتكفير.
هي الفتنة التي قتلت الخليفة الثالث والرابع، قتلوا بأيدي مسلمين، حفظة لكتاب الله!
اللهم أخرجنا من الفتن كما تخرج الشعرة من العجين، واهدِ المسلمين، وصلِّ اللهم على حبيبنا وإمامنا وشفيعنا ومعلمنا المحبة في الدين والإخاء في الله، ولا تجعل مولده فتنة تعيد مأساة المسلمين في عهد الشهيد عثمان ذي النورين، وعليٍّ كرّم الله وجهه، فما أحوجنا إلى الوحدة وتوجيه سهامنا واجتهادنا وجهدنا لعدو يتربص بديننا وأرضنا.
#ملف_الهدف_الثقافي #المولد_النبوي #خالد_ضياء_الدين #تسامح_ديني #وحدة_المسلمين #نبذ_التطرف #خطاب_الكراهية #أخلاق_النبي #إسلام_المحبة

Leave a Reply