الرسول ﷺ في الذاكرة العربية: من المديح إلى النهضة 

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

في تاريخ الأمم، لا تبقى الشخصيات العظيمة في الكتب وحدها، بل تتحول إلى لغة وشعر وسيرة وذاكرة جمعية. ولعل سيرة الرسول محمد ﷺ واحدة من أعظم التجارب التي انتقلت من التاريخ إلى الوجدان، ومن الوجدان إلى الأدب، فكان الشعر أحد أهم حاملي صورته في الضمير العربي.

لم يكن الشعر في المجتمع العربي مجرد فن، بل كان وسيلة لحفظ التاريخ، والتعبير عن المشاعر، والدفاع عن الجماعة. ولذلك لم يتعامل الإسلام مع الشعر برفض مطلق، بل كان المعيار هو مضمونه وأثره. وقد ورد عن النبي ﷺ: (إن من الشعر لحكمة) [رواه ابن ماجه]، مما يؤكد أن الكلمة الشعرية قد تحمل قيمة معرفية وأخلاقية.

في زمن الرسول ﷺ، كان الشعر وسيلة مؤثرة في الصراع الفكري، فبرز شعراء الصحابة وفي مقدمتهم حسان بن ثابت، الذي طلب منه النبي ﷺ الرد على المشركين، ودعا له بالتأييد بروح القدس [رواه مسلم]. وهنا تتجلى قيمة الكلمة حين تتحول إلى قوة تدافع عن الحق، وتكشف أن الرسالة لا تهرب من أدوات الثقافة، بل تعيد توجيهها نحو المعنى الذي تريد بناءه.

ومن أشهر المشاهد الشعرية في السيرة قصة كعب بن زهير وقصيدته (بانت سعاد)، التي تحولت إلى جسر بين الماضي والإسلام، وأصبحت نموذجاً للشعر بوصفه لغة للتحول والمراجعة.

لكن الحديث عن الأدب في حياة النبي ﷺ لا ينبغي أن يُفهم بمعناه الحديث، فلا يصح القول إن النبي ﷺ مارس الفنون التشكيلية أو المسرح، وإنما الأقرب للصواب أن نقول إن الجمال والصوت والشعر والفرح المشروع كان حاضراً في سياقاته. فقد ثبت في صحيح مسلم قوله ﷺ: (إن الله جميل يحب الجمال)، كما ثبت في صحيح البخاري تقديره للصوت الحسن في التلاوة، وإقراره للفرح والغناء في العيد.

من المديح إلى النهضة الحديثة

بعد انتقال النبي ﷺ، نشأ المديح النبوي، فتحولت السيرة من كتاب إلى قصيدة، ومن معلومات إلى وجدان. ومن أعظم محطاته قصيدة البوصيري (البردة)، التي جمعت بين مدح النبي ﷺ وسيرته وشمائله، ثم تواصلت السلسلة مع أحمد شوقي في العصر الحديث بقصيدته (نهج البردة)، التي أعادت قراءة السيرة في سياق النهضة العربية.

غير أن الحديث عن الشعر والأدب في حياة الرسول ﷺ وذاكرة الأمة العربية لا يقف عند حدود التعبير العاطفي أو التوثيق التاريخي، بل يتصل اتصالاً عضوياً بالمشروع القومي التحرري. فقد لعب الأدب الثوري، على امتداد سيرورة حركات التحرر الوطني، دوراً طليعياً في تحريك الجماهير، وتكوين الوعي الوطني، ومقارعة الاستعمار. فالثقافة لم تكن في أي نهضة عربية حديثة مجرد زينة فكرية، بل كانت ركيزة النهضة ومولدها، حيث سبقت الحركات السياسية ووطدت أسسها.

وهذا الدور يتجلى في شعر المقاومة الذي صاحب النكبة الفلسطينية، وفي قصائد التحرر التي رافقت حركات الاستقلال في المغرب العربي واليمن والعراق والسودان. فالشعر، في هذه السياقات، لم يعد مجرد تعبير عن مشاعر فردية، بل تحول إلى أداة لتشكيل الوعي الجمعي، وصناعة الذاكرة الوطنية، وتأصيل قيم الحرية والكرامة في وجدان الأمة العربية.

وقد أدرك مفكرو النهضة العربية أن المشروع القومي لا يقوم على السياسة وحدها، بل يحتاج إلى ثقافة تحمل رؤيته، وأدباً يعبر عن آماله، وفناً يخلد بطولاته. فالفكر القومي، في جوهره، فكر نهضوي قادر على التكيف مع كل مستجد، والثقافة هي وعاءه الطبيعي، والأدب هو لسانه الناطق. ومن هنا، فإن استعادة دور الأدب والفنون في المشروع التحرري ليست مجرد استعادة لتراث، بل هي استعادة لأداة أساسية في معركة الوعي، التي تسبق أي معركة سياسية، وتظل مستمرة بعدها.

وهكذا، انتقلت صورة النبي ﷺ من الشعر المباشر إلى المديح، ومن المديح إلى المولديات، ومنها إلى السيرة الأدبية، فأصبح حضور النبي ﷺ في الثقافة العربية حضوراً متجدّداً، يعيد كل عصر اكتشاف حاجته إليه.

وفي النهاية، تبقى القيمة الأعمق لهذا الأدب ليست في جماله الفني وحده، بل في قدرته على تحويل الذكرى إلى مسؤولية. فالشعر الذي لا يتجاوز الأذن قد يكون جميلاً، لكن أعظم الأدب هو ما يعبر من اللسان إلى القلب، ومن القلب إلى السلوك، فيجعل المولد النبوي الشريف تذكيراً بميلاد المعنى في الإنسان، وحينها تبلغ الكلمة غايتها: أن تتحول من شعر يُقال إلى حياة تُعاش.

#ملف_الهدف_الثقافي #الرسول_في_الذاكرة_العربية #طارق_ابوعكرمة #المديح_النبوي #الشعر_العربي #النهضة_العربية #أدب_المقاومة #الثقافة_القومية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.