أمجد السيد
في ذكرى مولد الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، لا تبدو المناسبة مجرد محطة في التقويم نعود إليها كل عام لنستعيد سيرة رجل غيّر وجه التاريخ، ثم نمضي إلى حياتنا كما كانت. فبعض الذكريات لا تستحق أن تُستعاد بوصفها ماضيًا، وإنما بوصفها سؤالًا للحاضر.
ومولد الرسول صلى الله عليه وسلم واحد من هذه الذكريات.
فالسؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم ليس فقط: كيف نحتفل بمولد الرسول؟ وإنما ماذا بقي فينا من القيم التي جاء بها؟ وماذا فعلنا نحن برسالة نقلت الإنسان من التمزق إلى الوحدة، ومن العصبية إلى الانتماء الأوسع، ومن الضعف إلى الفعل؟
في هذا السياق تكتسب قراءة القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق لشخصية الرسول العربي صلى الله عليه وسلم أهمية خاصة، لا باعتبارها قراءة دينية بالمعنى التقليدي، وإنما باعتبارها محاولة لفهم اللحظة التاريخية التي صنع فيها الرسول صلى الله عليه وسلم تحولًا عميقًا في حياة العرب.
كان القائدالمؤسس احمد عفلق يرى أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يكن شخصية منفصلة عن تاريخ العرب، بل كان التعبير الأعمق عن طاقاتهم وإمكاناتهم، وأن الرسالة التي حملها لم تكن مجرد حدث ديني، بل لحظة تاريخية أعادت تشكيل الإنسان العربي ودفعت به من حالة التمزق والجمود إلى الفعل وصناعة التاريخ.
ومن هنا جاءت عبارته الشهيرة
«كان محمد كل العرب، فليكن العرب اليوم كلهم محمدًا».
هذه العبارة، إذا أُخذت خارج سياقها، قد تبدو مجرد صياغة وجدانية في مدح الرسول صلى الله عليه وسلم، لكنها في عمقها تحمل سؤالًا كبيرًا عن علاقة الأمة بتاريخها.
فالمقصود ليس أن نعيش أسرى الماضي، ولا أن نكرر التاريخ، ولا أن نحول شخصية الرسول صلى الله عليه وسلم إلى رمز نحتفل به ثم نغلق كتب السيرة بعد انتهاء المناسبة.
المعنى الأعمق هو أن الأمة التي صنعت ذات يوم تحولًا تاريخيًا عظيمًا، لا يجوز لها أن تكتفي بالفخر بذلك التحول، وإنما عليها أن تستعيد في حاضرها القيم التي جعلت ذلك التحول ممكنًا.
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يأت ليعلم الناس كيف يحتفلون به، وإنما جاء برسالة جعلت من الإنسان قيمة، ومن العدل أساسًا، ومن الرحمة سلوكًا، ومن الأخوة رابطة، ومن المسؤولية تجاه المجتمع واجبًا.
ولذلك فإن الاحتفال الحقيقي بمولده لا يقاس بكثرة الكلمات التي نقولها عنه، وإنما بمقدار ما تتركه ذكراه في سلوكنا.
كيف يمكن أن نقول إننا نحب رسول الرحمة ونحن نمارس الكراهية؟
وكيف نتحدث عن رسول جمع القلوب، بينما لا نزال نبحث عن أسباب الفرقة؟
وكيف نفتخر برسالة أخرجت الإنسان من العصبية الضيقة، بينما ما زالت القبيلة والطائفة والجهة والحزب والموقف السياسي قادرة على تحويل أخ إلى خصم، ومواطن إلى عدو؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للرسالات العظيمة هو أن تتحول إلى طقوس منفصلة عن جوهرها.
فالرسول صلى الله عليه وسلم كان رحمة، ولذلك لا يمكن أن تكون محبته مبررًا للكراهية.
وكان عدلًا، ولذلك لا يمكن أن تكون سيرته غطاءً للظلم.
وكان جامعًا للناس، ولذلك لا يمكن أن تتحول ذكراه إلى مناسبة لتعميق الانقسام.
وكان يدعو إلى صيانة الإنسان وكرامته، ولذلك فإن إهدار كرامة الإنسان أو دمه يناقض جوهر الرسالة التي جاء بها.
وهنا يصبح كلام القائد المؤسسىاحمد ميشيل عفلق أكثر من مجرد حديث عن الماضي؛ إنه دعوة إلى استعادة روح الفعل التاريخي.
فحين يقول «فليكن العرب اليوم كلهم محمدًا»، فإنه لا يدعونا إلى استنساخ التاريخ، وإنما يدعونا إلى أن نكون، في زماننا، قادرين على إنتاج التحول الذي أنتجته تلك التجربة في زمانها.
أن ننتقل من السلبية إلى الفعل.
ومن التمزق إلى الوحدة.
ومن الانقسام إلى التضامن.
ومن انتظار الآخرين إلى تحمل مسؤوليتنا عن مستقبلنا.
ومن عبادة الماضي إلى صناعة المستقبل.
وهذه هي النقطة التي تجعل ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم مناسبة للحاضر أكثر مما هي مناسبة للماضي.
فالعرب اليوم يعيشون واحدة من أصعب مراحل تاريخهم الحديث. دول تتفكك، وحروب تلتهم المدن، وشعوب تنزح من أوطانها، وانقسامات سياسية واجتماعية تتسع، ومشاريع خارجية تتقاطع فوق أرض عربية، بينما يدفع الإنسان العربي الثمن.
وفي السودان، تبدو الصورة أكثر قسوة.
حرب أكلت من عمر الوطن، ودفعت الملايين إلى النزوح واللجوء، وفتحت أبوابًا واسعة للألم والفقد والانقسام والكراهية.
ووسط هذا المشهد، تصبح ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم فرصة لكي نسأل أنفسنا أي معنى للمولد إذا كان الإنسان السوداني لا يزال يبحث عن الأمان؟
ما قيمة أن نكثر من الصلاة والسلام على رسول الله، بينما يستمر نزيف الدم؟
ما قيمة الحديث عن الرحمة، إذا عجزنا عن أن نرحم وطنًا أنهكته الحرب؟
ما قيمة الحديث عن الأخوة، إذا أصبح الاختلاف السياسي سببًا للعداء؟
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى مزيد من الكراهية، وإنما يحتاج إلى استعادة الإنسان.
يحتاج إلى وقف الحرب، وحقن الدماء، وجبر الضرر، ورد المظالم، وعودة النازحين واللاجئين، وإعادة بناء ما هدمته الحرب، وإقامة دولة تحترم الإنسان وتصون كرامته وتفتح الطريق أمام جميع أبنائها دون إقصاء أو تمييز.
وهنا تحديدًا يصبح معنى «كان محمد كل العرب» أكثر اتساعًا.
لقد كان الرسول صلى الله عليه وسلم قادرًا على تحويل جماعات متفرقة إلى أمة، وعلى تحويل الاختلاف إلى طاقة بناء، وعلى جعل الإنسان شريكًا في صناعة التاريخ.
أما نحن، فما الذي فعلناه بتاريخنا؟
هل جعلنا من اختلافاتنا وسيلة للتكامل، أم حولناها إلى خنادق؟
هل جعلنا الوطن مساحة مشتركة، أم حاول كل طرف أن يحتكره لنفسه؟
هل تعلمنا من التاريخ، أم اكتفينا بتقديسه؟
ربما تكون المشكلة الكبرى في عالمنا العربي أننا نحب الماضي أكثر مما نحب المستقبل.
نستحضر أمجادنا، ونعدد انتصاراتنا، ونحتفي برموزنا، لكننا كثيرًا ما نعجز عن تحويل تلك الذاكرة إلى قوة حية في الحاضر.
والأمم لا تنهض بما تتذكره فقط، وإنما بما تستطيع أن تفعله بما تتذكره.
لهذا فإن ذكرى مولد الرسول صلى الله عليه وسلم يجب ألا تكون مناسبة للبكاء على زمن مضى، وإنما مناسبة لاستعادة السؤال الكبير
كيف نصنع زمنًا جديدًا يستحق أن يكون امتدادًا لقيم الرسالة؟
فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يورث العرب مجدًا جاهزًا، وإنما فتح أمامهم طريقًا للعمل والمسؤولية والتضحية.
ولم يكن أعظم ما تركه لهم قصصًا تُروى، وإنما إنسانًا جديدًا قادرًا على حمل رسالة وصناعة مجتمع وبناء دولة وفتح أفق حضاري.
ومن هنا، فإن عبارة القائد المؤسس احمد ميشيل عفلق «فليكن العرب اليوم كلهم محمدًا» يمكن أن تُقرأ باعتبارها دعوة إلى استعادة المعنى، لا إلى تكرار الشكل.
أن يكون العربي اليوم محمدًا في رحمته، لا في ادعائه.
في عدله، لا في شعاراته.
في شجاعته، لا في بطشه.
في تواضعه، لا في غروره.
في قدرته على جمع الناس، لا في تمزيقهم.
وفي انتصاره للإنسان، لا في استخدام الإنسان وقودًا لصراعات السلطة.
وفي ذكرى مولده صلى الله عليه وسلم ربما يكون السؤال الأكثر إلحاحًا هو هل نحن أمة محمد في قيمها، أم مجرد أمة تتحدث كثيرًا عن محمد؟
الفرق بين الاثنين كبير.
فالأولى تجعل من الرسالة حياة وسلوكًا ومسؤولية.
أما الثانية فتحول الرسالة إلى مناسبة موسمية، نتحدث فيها كثيرًا، ثم نعود بعدها إلى خلافاتنا وكراهيتنا وانقساماتنا.
إن محبة الرسول صلى الله عليه وسلم لا تحتاج إلى إثبات بالكلمات وحدها، فالكلمات أسهل ما يمكن أن نقدمه.
أما الأصعب فهو أن نجعل من الرحمة موقفًا، ومن العدل سلوكًا، ومن الأخوة ممارسة، ومن الكرامة حقًا، ومن السلام مشروعًا.
وهنا فقط يصبح الاحتفال بمولده احتفالًا حقيقيًا.
كان محمد صلى الله عليه وسلم كل العرب.
كانت فيه قدرة أمة على النهوض، وإرادة أمة على التغيير، وحلم أمة بأن تخرج من واقعها إلى مستقبل أفضل.
فماذا بقي من العرب اليوم؟
ربما بقي الكثير، ما دام في هذه الأمة إنسان يرفض الظلم، وقلب يكره الحرب، وصوت ينادي بالسلام، وعقل يؤمن بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل.
وربما لم يبقَ إلا أن نكتشف من جديد أن أعظم وفاء للرسول صلى الله عليه وسلم ليس أن نختلف حول كيفية الاحتفال بمولده، وإنما أن نتفق حول قيم الرحمة والعدل والكرامة والسلام التي جعلت من رسالته نقطة تحول في تاريخ الإنسان.
وفي السودان، كما في كل أرض عربية أنهكتها الحرب، قد يكون أجمل احتفال بمولد الرسول صلى الله عليه وسلم أن نعيد الإنسان إلى وطنه، والنازح إلى بيته، والخائف إلى أمانه، وأن نضع السلاح جانبًا، ونفتح الطريق أمام السلام.
فإذا كان محمد صلى الله عليه وسلم قد استطاع أن يجمع القلوب المتفرقة حول رسالة، فإن أقل ما نستطيع أن نتعلمه من ذكراه أن الوطن الذي يتسع للجميع خير من وطن يربحه طرف ويخسره الجميع.
سلام على محمد يوم ولد، ويوم حمل الرسالة، ويوم انتصر للإنسان، ويوم بقيت سيرته نورًا يهدي الباحثين عن طريق الخروج من الظلام.
وكل عام، والأمة العربية أكثر رحمة ووحدة وكرامة وسلامًا.

Leave a Reply