كيف تبرمج كوكب الأرض ليحتفل معك؟

صحيفة الهدف

محمد شريف

منذ أن اكتشف الإنسان البدائي أن الشمس تشرق وتغرب، قرر ألا يدع اليوم يمر بسلام دون أن يطلق عليه اسماً! فلم يعد الزمن مجرد ثوانٍ وأيام تتسرب من أعمارنا، بل تحول بقدرة قادر إلى “حلبة استعراض” نعلّق عليها ذكرياتنا المشتركة. ولعلك تلاحظ كيف أن تقويمك السنوي أصبح مكتظاً بشكل طريف؛ فتجد نفسك تنتقل من الاحتفال بعيد الأم إلى اليوم العالمي لمرض السكري، ومن يوم الصداقة إلى اليوم العالمي للغة برايل، وربما لن ننتظر طويلاً حتى نجد على الروزنامة يوماً عالمياً للكسل والمماطلة! ولكن، كيف تتحول فكرة عابرة في يوم عادي إلى احتفالية كوكبية تجمع شعوب الأرض؟

الحقيقة أن هذه الأيام لا تهبط علينا بالصدفة، بل تسلك مسارين في غاية الطرافة والجدية؛ فأولها المسار الرسمي الذي يولد في أروقة المنظمات الدولية بين البدلات الرسمية والنظارات المكبرة، حيث تبدأ القصة بدولة تتقدم بمسودة قرار ملهم، يليه تصويت حماسي، فإن نجح القرار يُدرج فوراً في الجدول الكوني. وتتوزع الأدوار هنا بدقة؛ فتتولى منظمة الصحة العالمية أيام الأمراض المزمنة لتنبيه البشرية بلطف بدلاً من تخويفها، بينما ترعى اليونسكو اللغات والتراث كاليوم العالمي للغة العربية، وتتولى اليونيسف حراسة البسمة لجيل المستقبل في يوم الطفل، والجميل في هذا المسار أن الدول تصبح ملزمة بإضاءة معالمها بالألوان المبهجة وتخصيص ميزانيات توعوية. وعلى الجانب الآخر، يبرز المسار الشعبي العفوي الذي لا يحتاج أختاماً ولا مرسومات أممية، بل يفرض نفسه بفضل التراكم الاجتماعي وقوة الإعلام وعولمة الهدايا؛ كعيد الحب الذي بدأ بأسطورة قديمة واجتاح الكوكب إعلامياً وتجارياً لأن البشر يعشقون المحبة، أو عيد الأم الذي يطوف العالم في تواريخ مختلفة بين مارس ومايو ليؤكد مرونته ودفئه الإنساني.

أما اختيار التواريخ نفسها فليس ضرباً من الودع أو السحر، بل تقف وراءه محركات جبارة؛ أولها النكهة الدينية والعقدية التي صنعت التقاويم الأولى، فالتقويم الميلادي الشمسي يربط أعياده بالفصول الثابتة، والتقويم العبري يكبس الأشهر ليبقى الفصح في موسم الحصاد، بينما التقويم الهجري القمري يجعل رمضان وعيد الأضحى يدوران ضيوفاً خفافاً على جميع الفصول الأربعة. بل إن أياماً كثيرة تخلت عن صرامتها القديمة وعصرنت نفسها؛ فـ “الهالوين” مثلاً بدأ كمهرجان لطراد الأرواح وتحول اليوم إلى مجرد كرنفال للتنكر وجمع الحلوى والمرح العائلي! ويأتي المحرك الثاني متمثلاً في الذكاء الصحي والوقائي؛ فالتركيز الكثيف على أيام الأمراض ليس احتفاءً بالألم، بل لأن التوعية في اليوم العالمي للسكري تكلف مبالغ محدودة مقارنة بملايين العلاج المتأخر، فضلاً عن دور هذه الأيام في كسر الخجل الاجتماعي وتوجيه أبحاث الأدوية كالإيدز. ولا ننسى الجرعة الإنسانية التي تضخها الأمم المتحدة عبر أيام الصداقة والجار والطفل، والتي تعمل كمضاد حيوي دافئ ضد الفردانية والعزلة في عصر التقنية السريعة.

ولكي يتحول أي يوم إلى “تريند كوني” وموروث عالمي مستمر، فإنه يحتاج إلى حليفين ذكيين؛ لغة بصريّة موحدة يفهمها الجميع دون ترجمة، والشريط الوردي لسرطان الثدي والدائرة الزرقاء للسكري خير مثال على ذلك، يرافقها التسليع التجاري اللطيف من الشركات التي تتلقف المناسبة بالبطاقات والهدايا، وهو الوقود الفعلي الذي يدفع هذه المناسبات للوصول إلى أبعد نقطة على سطح الكوكب. وفي النهاية، فإن تقسيم السنة إلى محطات دافئة للاحتفاء بالصحة واللغة والأم والصديق والجار ليس سوى محاولة بشرية بليغة لتنظيم وعينا الجمعي، وتذكير أنفسنا وسط زحام العمل ومشاغل الحياة بما يجعل لهذا العمر قيمة حقيقية تجعلنا نبتسم!

#فكر #ثقافة #مجتمع #تاريخ #تقويم #ملف_الهدف_الثقافي #الهدف

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.