بقلم: ماجد الغوث
دخل الكيان الصـ.ـهيوني الغـ.ـاصب العقد الثالث من القرن الحادي والعشرين وهو يواجه بيئة إقليمية ودولية تختلف جذرياً عن تلك التي سادت في العقود السابقة. فقد شهدت المنطقة تغيرات متسارعة في التحالفات السياسية، وتبدلت أولويات عدد من الدول، وبرزت ملفات جديدة تتعلق بالطاقة، والتكنولوجيا، والأمن الإقليمي، إلى جانب استمرار القضية الفـ.ـلسطينية بوصفها الجـ.ـرح الحساس الذي يؤرق كيان الاحـ.ـتلال. وقد انعكست هذه التحولات بصورة مباشرة على الخطاب السياسي، وعلى طبيعة المنافسة الانتخابية المحتدمة، وعلى أولويات الحكومات المتعاقبة.
في هذا السياق، جاءت ما تسمى “اتفاقيات أبراهام” عام 2020، لتفتح صفحة جديدة من التطبيع الخياني بين الكيان وعدد من الأنظمة العربية، وهو تطور اعتبرته حكومة الاحـ.ـتلال آنذاك إنجازاً دبلوماسياً واستراتيجياً لتفكيك العزلة الإقليمية، وجرى توظيفه في الدعاية الانتخابية بوصفه دليلاً على قدرة القيادة الصهـ.ـيونية على اختراق الجدار العربي دون تقديم أي تنازلات للقضية الفـ.ـلسطينية. وفي المقابل، أثبت الواقع أن هذه الاتفاقيات لم تُنهِ صراع الكيان الوجودي مع الشعب الفـ.ـلسطيني، بل أبقت جذوة المقاومة مشتـ.ـعلة.
وعلى المستوى الداخلي، دخل الكيان مرحلة غير مسبوقة من التصدع وعدم الاستقرار السياسي، إذ شهدت البلاد سلسلة من الانتخابات المتقاربة بين عامي 2019 و2022 نتيجة عجز الأحزاب عن تشكيل ائتلافات مستقرة. وكشفت هذه المرحلة عن انقسامات عميقة داخل المشهد الحزبي الصـ.ـهيوني، لم تعد تقتصر على التنافس التقليدي، بل شملت الخلاف المستعر حول شخصية بنيامين نتنياهو، والإصلاحات القضائية التي سعى اليمين من خلالها للسيطرة على مفاصل الدولة، وطبيعة النظام السياسي برمته.
ورغم هذا التآكل الداخلي، ظل الملف الأمني والعدواني حاضراً بقوة مطلقة في الحملات الانتخابية. فقد استمرت الأحزاب في المزايدة بتقديم رؤاها بشأن سحق قطاع غـ.ـزة، وتشديد القبضة الاستيطانية في الضفة الغربية، ومواجهة محور المقاومة على الحدود الشمالية، وكبح البرنامج النووي الإيراني. وبذلك بقي الأمن الدمـ.ـوي هو القاسم المشترك في الخطاب السياسي للكيان.
وفي عام 2022، عاد بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة على رأس ائتلاف هو الأشد تطرفاً وفاشية في تاريخ الكيان، ضاماً أحزاب المستوطنين والمتطرفين الدينيين. وقد أثار برنامج هذا الائتلاف، وخاصة الهـ.ـجوم على الجهاز القضائي، موجة واسعة من الاحتجاجات غير المسبوقة داخل الكيان، شاركت فيها شرائح متنوعة من المجتمع الاستيطاني، بما في ذلك ضباط وقادمون من المؤسسة العسكرية والأمنية، مما كشف عن أزمة وجودية حقيقية تهدد بتفـ.ـكيك بنية الدولة المصطنعة من الداخل.
ثم جاء طوفان الأقصى وأحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 لتشكل الصدمة الأعظم والزلزال الوجودي في تاريخ الكيان الحديث. فقد تلقى الاحـ.ـتلال ضربة قاسية أطاحت هيبته العسكرية، فأعقبها بحرب إبادة وتطهير عرقي واسعة النطاق على قطاع غـ.ـزة استمرت تداعياتها لسنوات. وأحدثت هذه التطورات هزة عنيفة في الوعي الجمعي الاستيطاني، وأثارت نقاشات واسعة ومؤلمة حول الانـ.ـهيار التام للاستخبارات والجيش، ومسؤولية القيادة السياسية عن هذا الإخفاق التاريخي.
وأعادت هذه الحـ.ـرب الملف الأمني إلى مركز الحياة السياسية بصورة مدمرة، لكنها فتحت الباب في الوقت ذاته أمام اتهامات متبادلة، ومطالبات بفتح تحقيقات رسمية ومحاسبة المسؤولين عن التـ.ـصدعات الكبرى التي ظهرت على حين غرة.
وعلى الصعيد الخارجي، واجه الكيان عزلة دبلوماسية غير مسبوقة وتنديدات دولية واسعة بجـ.ـرائم الحـ.ـرب والإبـ.ـادة الجماعية التي يرتكبها، بالتوازي مع تراجع صورته الأخلاقية المزعومة في المحافل العالمية، رغم استمرار الدعم العسكري والسياسي من حلفائه الغربيين.
يجد الكيان الصـ.ـهيوني الغاصب نفسه أمام حزمة من الأزمات المتشابكة؛ فهو من جهة يكابر في إبقاء الأمن والعدوان في صدارة خطابه، ومن جهة أخرى يعاني من تصدعات داخلية عميقة تهدد مستقبله، واقتصاد متداعٍ، وأزمات اجتماعية ودينية متصاعدة. ولم يعد الناخب الاستيطاني يصوت وفق الانتماءات الحزبية البحتة، بل بات يعيش حالة هلع وجودي وتخبط إزاء قدرة قيادته على إدارة صـ.ـراع بقائي يتآكل فيه الكيان تدريجياً تحت ضربات قوى المقاومة الصامدة.

Leave a Reply