ماجد الغوث
لم تعد الانتخابات داخل الكيان الصه.يوني الغاصب في العقود الأخيرة تُحسم داخل قاعات الأحزاب أو في المناظرات السياسية وحدها، بل أصبحت وسائل الإعلام، بمختلف أشكالها التقليدية والرقمية، أحد أهم ميادين المنافسة على كسب الرأي العام الاستيطاني وتوجيهه نحو تبني سياسات أكثر تطرفاً. فالإعلام هناك لا يقتصر دوره على نقل الأخبار أو تغطية الحملات الانتخابية، وإنما يسهم بصورة فاعلة في تشكيل أولويات النقاش العام، وتبرير جرائم الاحتلال، وفي التأثير المباشر على الصورة الذهنية للمرشحين والأحزاب.
وتعود أهمية الإعلام في الكيان إلى طبيعة المجتمع الاستيطاني نفسه، الذي يتسم بتعدد التيارات الفكرية والسياسية، وتنوع المنابر التي تعكس هذا التنوع ضمن الإطار الصه.يوني العام. فهناك وسائل إعلام تُعرف بقربها الشديد من توجهات اليمين الفاشي، وأخرى تميل إلى واجهات حزبية أخرى، إلى جانب وسائل إعلام رسمية وأخرى متخصصة. وقد أدى هذا التنوع إلى وجود مساحة واسعة من الاستقطاب الحزبي، ليصبح الإعلام جزءاً أساسياً من آليات التعبئة والحشد خلال المواسم الانتخابية.
ومع تطور وسائل الاتصال، لم يعد تأثير الإعلام التقليدي وحده هو العامل الحاسم، بل برزت منصات التواصل الاجتماعي بوصفها ساحة جديدة لصراع الروايات والتوجيه السياسي. فقد أصبحت الأحزاب والمرشحون يعتمدون بصورة متزايدة على الحملات الرقمية الموجهة، والإعلانات المضللة، والمقاطع المصورة التي تستهدف استنهاض العصبيات، وتحشيد الشارع الاستيطاني ضد الشعب الفلس.طيني. كما أصبحت سرعة تداول المعلومات المزيفة عنصراً مؤثراً في توجيه الرأي العام خلال فترات الأزمات والح.رب.
وفي هذا السياق، تطورت أدوات إدارة الحملات الانتخابية بصورة كبيرة؛ حيث استعانت الأحزاب بخبراء في استطلاعات الرأي وتحليل البيانات لجس نبض الشارع، وتوجيه الرسائل التي تضمن كسب أصوات الناخبين عبر المزايدة في الخطاب الأمني والعدواني. وأصبحت نتائج استطلاعات الرأي تُتابع يومياً لتعديل الاستراتيجيات الدعائية، وتوجيه بوصلة الخطاب نحو الملفات الأكثر إثارة للغرائز القومية.
ولعبت القنوات التلفزيونية دوراً محورياً في صناعة النجوم السياسيين، من خلال المناظرات والبرامج الحوارية. ولم تعد شخصية المرشح تُقاس بكفاءته المدنية، بل بقدرته على إظهار الحزم الدموي، والتشدد في قمع المقاومة، وإدارة آلة الح.رب. ولذلك، استثمرت الأحزاب بكثافة في بناء الصورة العسكرية والقيادية لمرشحيها، باعتبارها ورقة الرابح الأكبر في صناديق الاقتراع.
وفي المقابل، كانت التغطية الإعلامية للتطورات الأمنية والعدوانية تُوظف بصورة ممنهجة للتأثير في المزاج السياسي. فكلما ارتكب الكيان جريمة جديدة أو صعد عدوانه، تصدرت الملفات الأمنية المشهد الإعلامي، وتراجعت تماماً أي نقاشات تتعلق بالأزمات الاقتصادية أو الاجتماعية، مما عزز قبضة الخطاب العسكري على وعي الناخبين.
أما على الصعيد الخارجي، فقد أولت حكومات الكيان أهمية قصوى لصورتها في وسائل الإعلام العالمية؛ لمحاولة تبييض جرائمها، خاصة في ظل الاتهامات المتزايدة والانتقادات الحقوقية الدولية. واعتمدت على شبكة واسعة من الدبلوماسية العامة والحملات الإعلامية الموجهة لتصدير روايتها المضللة للرأي العام الدولي.
وفي السنوات الأخيرة، تعاظم خطر انتشار المعلومات المضللة المنظمة خلال الحملات الانتخابية، مما أدى إلى تعميق الانقسامات الداخلية -العميقة أصلاً- في بنيان الكيان، وإحكام السيطرة على وعي الشارع الاستيطاني، وتهييته لقبول المزيد من سياسات التطهير العرقي والتوسع الاستيطاني.
وهكذا، يتبين أن الإعلام في الكيان الصه.يوني الغاصب ليس مجرد ناقل محايد، بل هو أداة استراتيجية رئيسية في إدارة الصراع، وصناعة اتجاهات الرأي العام، وترسيخ أركان المشروع الاستيطاني على حساب حقوق الشعب الفلس.طيني.

Leave a Reply