:
بقلم ماجد الغوث
صعود بنيامين نتن.ياهو وتحولات اليمين في الكيان الص.هيوني الغاصب… من المنافسة الحزبية إلى إعادة تشكيل النظام السياسي
مع نهاية تسعينيات القرن العشرين، دخل الكيان الص.هيوني الغاصب مرحلة سياسية جديدة اتسمت بتنامي نفوذ اليمين القومي والفاشي، وتراجع نسبي للأحزاب التي قادت مسار أوسلو. ولم يكن هذا التحول نتيجة حدث واحد، بل جاء حصيلة تراكمات أمنية وسياسية واجتماعية أسهمت في إعادة صياغة أولويات الناخب الاستيطاني، وفي ترسيخ خطاب يركز على الأمن المطلق والهوية القومية المتطرفة بوصفهما محورين أساسيين في الحياة السياسية.
برز بنيامين نتن.ياهو بوصفه أحد أبرز وجوه هذه المرحلة. فقد استطاع، منذ وصوله إلى رئاسة الحكومة للمرة الأولى عام 1996، أن يقدم نفسه باعتباره سياسياً يجمع بين الخطاب الأمني الشرس والقدرة على المناورة السياسية الدولية، مستفيداً من التحولات الإقليمية ومن مهاراته في مخاطبة الرأي العام المتطرف. ورغم خروجه من السلطة لفترة، فإن عودته عام 2009 فتحت مرحلة جديدة أصبحت خلالها شخصيته محوراً رئيسياً في سياسة الكيان لما يزيد على عقد ونصف.
تميزت تلك المرحلة باستقرار نسبي في هيمنة اليمين على مقاليد الحكم، لكن هذا الاستقرار لم يكن يعني غياب الأزمات البنيوية. فقد شهد الكيان خلال هذه السنوات خلافات متكررة داخل الائتلافات الحكومية، وانقسامات حزبية عميقة، وأزمات دستورية، إضافة إلى ملفات فساد طالت عدداً من المسؤولين، من بينهم نتن.ياهو نفسه، الأمر الذي زاد من حدة الاستقطاب داخل المجتمع الاستيطاني.
وفي الوقت نفسه، استمرت قضايا الأمن والقمع في احتلال مركز الصدارة. فقد شهدت تلك السنوات جولات متعددة من العدوان العسكري، والم.ذابح في قطاع غزة، وتصاعداً في الإره.اب المنظم في الضفة الغربية، إلى جانب التهديدات المستمرة. وأصبحت هذه الملفات جزءاً دائماً من الخطاب الانتخابي، إذ قدمت الأحزاب نفسها من خلال مدى قدرتها على إراقة الدماء وسحق المقاومة.
ومن الظواهر اللافتة خلال هذه المرحلة تعاظم تأثير الأحزاب الدينية والقومية المتطرفة في تشكيل الحكومات. فالنظام الانتخابي القائم على التمثيل النسبي جعل من الصعب على أي حزب الحصول على أغلبية مطلقة، وهو ما منح الأحزاب الصغيرة قدرة ابتزاز تفاوضي كبيرة. وأصبح تشكيل الحكومات يعتمد على صفقات معقدة تفضي إلى ائتلافات تضم قوى تتفق على إدامة الاحتلال والاستيطان وتكريس العن.صرية.
كما شهدت هذه الفترة تراجعاً تدريجياً في قوة الأحزاب التي كانت تمثل تاريخياً تيار التسوية المزعومة، مقابل صعود جارف لقوى يمينية استيطانية عززت حضورها داخل الكنيست. وأسهمت التحولات الديموغرافية والاجتماعية في إعادة رسم الخريطة الحزبية، ليصبح المشهد السياسي أكثر تجزؤاً وأكثر اعتماداً على التحالفات مع التيارات الدينية المتشددة.
وخلال الأعوام بين 2019 و2022، دخل الكيان واحدة من أكثر مراحلها السياسية تعقيداً، حيث أُجريت خمس انتخابات عامة خلال فترة قصيرة نتيجة عجز الأحزاب عن تشكيل ائتلافات مستقرة. وقد عکست هذه الانتخابات حجم الانقسام الحاد داخل الساحة السياسية، حول مستقبل قيادة نت.نياهو، والعلاقة بين السلطات، ودور القضاء، وطبيعة النظام السياسي.
ولم يكن الانقسام مقتصراً على المعسكرات التقليدية، بل امتد إلى داخل معسكر اليمين نفسه، حيث ظهرت خلافات حادة حول أسلوب إدارة الدولة، وشكل التحالفات، والإصلاحات القضائية التي أدت إلى أزمة غير مسبوقة. وفي أواخر عام 2022، عاد نتن.ياهو إلى رئاسة الحكومة على رأس ائتلاف ضم أكثر عناصر اليمين دموية وتطرفاً، وهو ائتلاف أثار نقاشاً واسعاً بسبب برنامجه الفاش.ي المتعلق بالإصلاحات القضائية، وابتلاع ما تبقى من الأراضي الفلسطينية.
ثم جاءت أحداث السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023 وما أعقبها من ح.رب إب.ادة واسعة على قطاع غزة لفرض واقع سياسي جديد كلياً. فقد أعادت هذه الأحداث الملف الأمني إلى صدارة المشهد بصورة غير مسبوقة، وأثارت نقاشات داخلية حول هشاشة المنظومة العسكرية ومسؤولية القيادة السياسية عن الإخفاق الاستراتيجي. كما كان لها أثر كبير في إعادة ترتيب أولويات الرأي العام الاستيطاني نحو المزيد من التطرف والدموية.
ومع استمرار تداعيات هذه المرحلة حتى عام 2026، بدا واضحاً أن سياسة الكيان دخلت طوراً جديداً تتداخل فيه الاعتبارات الأمنية مع الأزمات الداخلية العميقة، بما في ذلك انهيار الثقة بالمؤسسات، واستقرار الائتلافات الحكومية الهشة، والصراع على شكل النظام السياسي. وأصبحت نتائج الانتخابات تعكس رغبة عارمة لدى الشارع الاستيطاني في المزيد من العدوان.
إن تتبع هذه المرحلة يبين أن الانتخابات لم تعد مجرد منافسة بين برامج حزبية، بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها قضايا الأمن، والعن.صرية الدينية، والتط.هير العرقي، في ظل مجتمع تحكمه عقيدة القوة والاحتلال. ومن ثم، فإن فهم هذه التحولات يظل أساسياً لإدراك مآلات المشروع الاستيطاني وسياساته العدوانية تجاه الشعب الفلسطيني حتى عام 2026.

Leave a Reply