عثمان الحاج عمر- تونس
عندما أصبح العدوان الإيراني على العراق واقعًا لا مفر منه، وبعد أن تكشفت مقدماته، قام العراق بالرد على العدوان بمهاجمة العدو ومواجهته على أرضه، لا على أرض العراق.
وحين حقق العراق انتصارات مذهلة وبدأت الكفة تميل لصالحه، تدخل الحلف الصهيو-أمريكي؛ فضرب الكيان الص.هيوني المفاعل النووي العراقي السلمي، وأمدّت الإم.بريالية نظام الملالي بالأسلحة والذخائر عبر الكيان الص.هيوني، في محاولة لمنع العراق من تحقيق انتصار نهائي حاسم.
لم يهادن العراق، وهو يتصدى للريح الصفراء ويحمي البوابة الشرقية للوطن العربي أمامها، رغم محاولة البعض مثل نظام الأسد في سوريا، للقيام بالمستحيل من أجل حشد الدعم السياسي والإعلامي لنظام الملالي، وسعى إلى معارضة أي موقف قومي داخل مؤسسات النظام الرسمي العربي للتضامن مع العراق، بل وصل به الأمر إلى البحث في أسواق السلاح عما يدعم به عدوان الملالي.
ورغم كل ذلك، انتصر العراق، واضطر الخميني إلى تجرع كأس السم.
لكن، وما إن أُعلن الاحتفالات بيوم النصر العظيم في بغداد وسائر المدن العراقية، حتى سارعت الإم.بريالية الأمريكية والبريطانية إلى المباشرة بخلق المشاكل
وتأجيج الأزمات امام العراق، بهدف إضعافه على أكثر من صعيد وابتزازه اقتصاديًا، فانعقدت قمة بغداد سنة 1990، حيث بادر العراق بالسعي لحل تلك القضايا دبلوماسيًا وسلميًا، وتظلّم من السياسات التي يتم توجيهها ضده، موضحًا أنها تستهدف ضرب الاقتصاد العراقي والتضييق على المواطن العراقي في رزقه وقوت يومه. غير أن تلك الدعوات الصادقة ذهبت سدى.
لقد أصبح الأمر، في نظر أعداء العراق والأمة، بالغ الخطورة؛ فدولةٌ عربية ترفع شعار فلسطين، والوحدة العربية، وتأميم الثروات الوطنية وتحقيق نهضة شاملة، أصبحت تمثل مشروعًا لا بد من القضاء عليه. عندها لم يعد الوقت يُحسب بالأيام أو الشهور أو السنوات، بل بالساعات، وكانت الخطة واضحة: ضرب العراق لا احتوائه، وتدمير تجربته، واجتثاث القائمين عليها عقيدة، وحزبًا، ومؤسسات، وقيادات، وأفرادًا. فكان العدوان الثلاثيني، ثم الحصار والتجويع والق.تل اليومي، ثم الغزو والاحتلال، وتدمير الدولة، وق.تل العراقيين على الهوية.
وكان ملالي إيران يتحركون بالوعي نفسه الذي تحرك به الحلف الص.هيو-إمبريالي وبتكامل معه وتنفيذ دقيق لاهدافه، لكنهم كانوا أشد حقدًا؛ فاصطنعوا ميليشيات وعصابات خاصة بالعراق، أوكلوا قيادتها إلى مجرمين محترفين، وعززوه بعملاء ولصوص وطائفيين عملوا تحت إمرة ايران وباشراف مباشر وتدريب وتمويل منها، ضد وطنهم العراق، ضمن جوقة الإجرام وتحت مسميات عدة.
ولأن العراق بشعبه وقيادته نجح في التصدي لكل محاولات إسقاطه، ورغم أنه لم يكن سنة 2003 قد خالف قرارات الأمم المتحدة، رغم جور تلك القرارات وظلمها، حصل قرار الغزو خارج أي سياق قانوني وبشكل فاضح، من طرف الإم.بريالية، بدعم ص.هيوني، ومشاركة إيرانية.
لقد كان ذلك جولةً من جولات ضرب المشروع القومي العربي التحرري، تتمةً لما عجز عنه العدوان الإيراني سنة 1980، واستكمالًا للعدوان الثلاثيني والحصار الاقتصادي الذي تواصل ثلاثة عشر عامًا.
تصوروا لو مُنح العراق لحل أزمة الكويت حينها عُشر الوقت الذي يُمنح اليوم لنظام الملالي !!. ولكن السياقات ليست نفسها، والحسابات ليست نفسها؛ فالعراق والبعث كانا يحملان مشروع وحدة الأمة وتحررها، في حين أن نظام الملالي، كان وما يزال اليد التي تنفذ كافة الأهداف التفصيلية المعادية للأمة العربية لإضعافها وأهم تلك الأهداف هي تفتيت الأمة، وتبديد مواردها، وإشغالها عن قضيتها المركزية في فلسطين . لذلك كان لا بد، أمريكيًا وص.هيونيًا، من إسقاط هذا المشروع العروبي النهضوي في العراق وق.تل أصحابه.
إن ما حصل لا نذكره مدعاةً للخوف والتراجع، بل على العكس تمامًا، فهو مدعاة لمزيد من الإصرار، والإقدام، وحسن التدبير، ودقة التخطيط.
لقد أكد ذلك الانتصار العراقي في 8-8-1988 على :
• قدرة الأمة على منازلة أعدائها والتفوق عليهم، وهو ما أربك العدو ودفعه إلى أن يقسم على تحطيم هذا الطموح مهما بلغت الكلفة.
• إن معركة الأمة لا يمكن أن يخوضها قطر واحد نيابة عن الأقطار الأخرى، وإنما هي معركة عربية شاملة تُخاض في كل مجالات الحياة، في الثقافة، والعلم، وتفعيل كل قدرات الأمة وتحقيق تكاملها باتجاه الهدف المشترك.
• وهي، من جهة أخرى، معركة كل القوى الثورية والتحررية في الأمة؛ فكما يحشد العدو كل طاقاته، يجب على الثوريين أن يحشدوا كل طاقاتهم، وأن يكون استعدادهم أفضل وسعيهم أقوى لبلورة مشروع مواجهة عربي فاعل.
• إن وحدة القوى الوطنية العربية شرط من شروط ربح المعركة.
• كما أن الصبر، والمثابرة، واستنهاض أبناء الأمة، والثبات على المبادئ، والوفاء للشهداء، تمثل الشرط الآخر، كما أن اكتساب الخبرات، والتسلح، وحسن التخطيط للمستقبل، عوامل تضاعف فرص الأمة في تحقيق النصر.
إن معركة الأمة مع أعدائها كبيرة بكبر التحديات التي تواجهها، لذا فإن استلهام الدروس والعِبَر هو أمر حيوي وحاجة أساسية لانتصار الأمة العربية في معركة الوجود التي تخوضها.

Leave a Reply