أ. طارق عبد اللطيف أبو عكرمة
مقدمة
إن النقد العلمي للتجربة السياسية ضرورة لأي مشروع فكري حي؛ فمن حق أي باحث أن ينتقد تجربة البعث في العراق، وأن يناقش نجاحاتها وإخفاقاتها. غير أن تحويل نقد التجربة إلى نفي للمرجعية يمثل قفزة منهجية لا تستقيم مع أبسط قواعد البحث العلمي.
ورغم ما تعرض له الحزب من محاولات اجتثاث وهجمة شرسة، وما واجهه من تحديات داخلية وخارجية، فإن المؤتمر القومي الثالث عشر المنعقد في عام 2026م، لمن يتأمل مضامينه، لم يغفل هذه القضايا، بل خصص لها مساحة للنقاش والتحليل، إيماناً بأن الفكر الحي لا يصان بالتجاهل، وإنما بمواجهة الأسئلة واحتضانها.
ولعل هذا هو ما يدفعنا إلى طرح الأسئلة والمقترحات التالية، التي نأمل أن تشكل إضافة نوعية للحوار، وأن تعيد الاعتبار للفكر القومي بوصفه مشروعاً نهضوياً متجدداً، قادراً على مواجهة الأسئلة الصعبة وطرح الحلول المبتكرة.
الأسئلة المؤسسة للمستقبل
- كيف نقدم تصوراً للدولة المدنية؟
- كيف نؤصل للديمقراطية من داخل الفكر القومي؟
- كيف نعيد تعريف العدالة الاجتماعية في عصر الاقتصاد الرقمي؟
- كيف نتعامل مع الذكاء الاصطناعي والسيادة المعرفية؟
- كيف نربط بين الوحدة العربية والتكامل الاقتصادي والتكنولوجي؟
- كيف نجعل الإنسان، الذي كان دائماً محور مشروع النهضة، قادراً على المنافسة في عالم المعرفة؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تُناقش؛ لأنها لا تنطلق من الدفاع عن الماضي، بل من مسؤولية بناء المستقبل.
وقد تناول المؤتمر القومي الثالث عشر هذه القضايا بصورة مستفيضة وعميقة، ويمكن تقديم إشارات أولية إلى بعض الإجابات:
فالدولة المدنية في الفكر القومي تقوم على سيادة القانون، واستقلال القضاء، وتداول السلطة. والديمقراطية ليست مجرد انتخابات، بل مشاركة شعبية في صنع القرار.
والعدالة الاجتماعية في عصر الاقتصاد الرقمي تتطلب إعادة تعريف الملكية وضمان الوصول إلى المعرفة. أما السيادة المعرفية فتعني قدرة الأمة على إنتاج المعرفة بنفسها.
والوحدة العربية اليوم تعني التكامل الاقتصادي والتكنولوجي قبل التوحيد السياسي.
المرجعية الفكرية: الثبات والتجدد
إن المرجعية الفكرية ليست كتاباً يُحفظ، ولا شعاراً يُرفع، وإنما هي قدرة دائمة على إنتاج المعرفة. والفكر الذي يتوقف عن الاجتهاد يبدأ بالتراجع، مهما كانت قوة نصوصه المؤسسة. أما الفكر الذي يمتلك الشجاعة لمراجعة نفسه، فإنه يظل قادراً على التجدد دون أن يفقد هويته.
والمرجعية الفكرية تشبه الكائنات الحية؛ فهي تحتفظ بهويتها رغم تغير خلاياها، لأن الثبات فيها ليس ثبات النصوص، وإنما ثبات المبادئ المؤسسة. فإذا توقفت عن التجدد ماتت، وإذا فقدت أصولها ذابت؛ أما حيويتها فتقوم على الجمع بين الأصالة والتطور.
وتتكون المرجعية الفكرية لحزب البعث العربي الاشتراكي من سبعة مستويات متكاملة:
- النصوص التأسيسية التي كتبها المؤسسون، وفي مقدمتها مؤلفات الأستاذين ميشيل عفلق وصلاح البيطار.
- دستور الحزب ونظامه الداخلي، اللذان حددا المبادئ والأهداف والمنهج.
- ما يصدر عن الأمين العام.
- تقارير ومقررات المؤتمرات القومية وما صدر عنها من قرارات فكرية وتنظيمية.
- الدراسات والكتب التي يصدرها مكتب الثقافة والإعلام القومي.
- الاجتهادات الفكرية التي قدمها مفكرو الحزب والقوميون العرب عبر العقود.
- القراءة المستمرة للواقع العربي ومتغيراته، بما يجعل المرجعية إطاراً مفتوحاً للتجديد، لا نصاً مغلقاً.
وهذه المستويات السبعة ليست مجرد تصنيف نظري، بل هي بنية معرفية متكاملة تشكل المرجعية الفكرية للحزب، وتغذي في الوقت نفسه مراحل التجديد الثلاث المقترحة أدناه.
فالنصوص التأسيسية تمثل روح الفكرة وميلادها الأول، والدستور يجسدها في إطار تنظيمي ومؤسسي، والمؤتمرات القومية تمثل العقل الجمعي الذي يراجع ويطور ويجتهد، وما يصدر عن الأمين العام يمثل القراءة القيادية للمتغيرات في ضوء الثوابت.
أما الدراسات والكتب التي يصدرها مكتب الثقافة والإعلام القومي فتمثل المختبر الفكري الذي يعيد إنتاج المعرفة ويعمقها، والاجتهادات الفكرية لمفكري الحزب والقوميين العرب تمثل الامتداد الطبيعي لمسيرة التطوير، بينما تبقى القراءة المستمرة للواقع هي البوصلة التي تضمن بقاء المرجعية حية، قادرة على تفسير الواقع واستشراف المستقبل وتجديد أدواتها، دون أن تفقد هويتها أو تنفصل عن أصولها.
الاستشراف في الفكر البعثي
وتجدر الإشارة هنا إلى حقيقة مهمة تكشف عن عمق المنهج البعثي وقدرته الاستشرافية؛ فما يميز الفكر البعثي، وفق هذه الرؤية، هو تنبؤه المبكر بتحولات كبرى في النظام العالمي، مثل أفول الاتحاد السوفيتي وانهيار العالم القديم.
وهذه القدرة الاستشرافية ليست ضرباً من التكهن، بل ثمرة منهج علمي جدلي يقرأ التاريخ في حركته، ويرصد تناقضاته، ويتجاوز النظرة السطحية إلى تحليل البنى العميقة.
وهذه المستويات ليست منفصلة، بل تشكل منظومة متكاملة: فالنصوص التأسيسية تمثل الروح، والدستور يمثل الجسد، والمؤتمرات تمثل العقل الجمعي، والاجتهادات تمثل النبض المتجدد، والقراءة المستمرة للواقع تمثل البوصلة التي توجه الحركة.
نحو تجديد المرجعية الفكرية
إن تجديد المرجعية الفكرية لا يعني إعادة كتابة النصوص المؤسسة، ولا التخلي عنها، وإنما فتح باب الاجتهاد أمام جيل جديد من الباحثين والمفكرين، وإنشاء مراكز بحث قومية، وتشجيع الدراسات العلمية، وربط الفكر القومي بقضايا الاقتصاد المعرفي، والتحول الرقمي، والبيئة، والذكاء الاصطناعي، والدولة المدنية، والحوكمة، حتى يبقى الفكر منتجاً للحلول، لا مجرد حافظ للتراث.
ولا تكتسب أي مرجعية فكرية قيمتها من تاريخها وحده، وإنما من قدرتها على تفسير أزمات الواقع العربي الراهن، من تفكك الدولة الوطنية، وتصاعد الطائفية، والتبعية الاقتصادية، والتخلف العلمي، والتحولات الرقمية. فكلما استطاعت المرجعية أن تقدم إجابات عملية لهذه الأسئلة، ازدادت حضوراً وتأثيراً.
ولعل التحدي الأكبر أمام حزب البعث العربي الاشتراكي اليوم لا يتمثل في إثبات امتلاكه لمرجعية فكرية؛ فهذه حقيقة تؤكدها نصوصه التأسيسية ودستوره وأدبياته ومسيرته الفكرية الممتدة، وإنما في تحويل هذه المرجعية إلى مشروع معرفي متجدد، قادر على إنتاج الأفكار وصياغة الإجابات واستشراف المستقبل.
فالأمم لا تعيش على أمجاد أفكارها، بل على قدرتها الدائمة على إعادة إنتاجها في ضوء متغيرات العصر. ولذلك فإن القضية لم تعد الدفاع عن المرجعية بقدر ما أصبحت البرهنة على حيويتها بالفعل والإبداع والاجتهاد، وإثبات قدرتها على أن تظل مصدر إلهام لنهضة عربية جديدة، تقرأ الماضي بعين النقد، وتفهم الحاضر بعقل العلم، وتتطلع إلى المستقبل بإرادة الأمة وثقتها بنفسها.
فالمرجعية الفكرية الحية ليست نصاً يُحفظ، ولا تراثاً يُستدعى عند الحاجة، وإنما منظومة معرفية متجددة، تتسع للأسئلة الجديدة، وتنتج معرفة جديدة، وتراجع أدواتها باستمرار؛ لأن الأفكار الكبرى لا تموت حين تُنتقد، وإنما تموت حين تتوقف عن التفكير، وتتخلى عن قدرتها على التجدد وصناعة المستقبل.
مسار عملي لتجديد المرجعية
ولتحقيق هذا التجديد، نقترح مساراً عملياً يتكون من ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى: قصيرة المدى
إنشاء مراكز بحثية قومية مستقلة تُعنى بدراسة قضايا العصر من منظور قومي، وتصدر دوريات علمية محكمة، وتعقد ندوات وحوارات فكرية مفتوحة.
ومن المقترحات العملية:
- إنشاء مركزين بحثيين قوميين على الأقل، في الخليج والمشرق.
- إدارة هذه المراكز بواسطة كفاءات شابة.
- توفير ميزانية مستقلة لها.
- ربطها بجامعات عربية ودولية.
- إطلاق دورية علمية محكمة متخصصة في الفكر القومي.
إن الفكر الذي لا ينتج مؤسسات معرفية يتحول تدريجياً إلى تراث، بينما الفكر الذي ينتج جامعات ومراكز أبحاث ومجلات علمية ومدارس فكرية يتحول إلى قوة تاريخية قادرة على الاستمرار.
المرحلة الثانية: متوسطة المدى
إعادة قراءة النصوص المؤسسة في ضوء أسئلة العصر، وإنتاج خطاب قومي جديد يخاطب الأجيال الشابة بلغة عصرها، ويعالج قضايا الهوية والمواطنة والعولمة.
ويمكن تحقيق ذلك من خلال:
- عقد مؤتمرات فكرية سنوية.
- إصدار سلسلة كتب تعيد قراءة النصوص المؤسسة.
- إنشاء منصة رقمية للفكر القومي تستخدم وسائل التواصل الحديثة.
المرحلة الثالثة: طويلة المدى
بناء مشروع نهضوي عربي متكامل يربط بين الوحدة والتنمية والديمقراطية والسيادة المعرفية، ويجعل من الإنسان العربي محوراً وغاية.
ويشمل ذلك بناء مشروع نهضوي متكامل يربط الأبعاد الفكرية بالسياسية والاقتصادية والاجتماعية، مع وضع مؤشرات قياس قابلة للتقييم.
إنتاج أجيال جديدة من المفكرين
إن قوة المرجعيات الفكرية تُقاس بقدرتها على إنتاج أجيال جديدة من المفكرين القادرين على الاجتهاد في إطارها. فالفكر الذي يعجز عن إنتاج مفكريه يتحول تدريجياً إلى ذاكرة تاريخية، بينما الفكر الحي هو الذي يجدد نفسه من داخله.
خاتمة
ويبقى ثابت البعث وفكرته الانبعاثية قائماً على تفاعل الفكرة مع إنسان الأمة؛ ففي هذا التفاعل يتم البناء المتبادل على مستوى المرجعية، ويكون الإنسان غايةً ووسيلة.
وهذا التفاعل الجدلي هو ما يمنح البعث استمراريته التصاعدية فكراً ونضالاً ووعياً. فالفكرة التي تنفصل عن إنسانها تتحول إلى شعارات، والنضال الذي ينفصل عن وعيه يتحول إلى ردود فعل، والممارسة التي تنفصل عن مرجعيتها تفقد بوصلتها.
ولذلك يظل البعث مشروعاً نهضوياً مفتوحاً على المستقبل، لا يسمو إلا بسمو إنسان الأمة، ولا يتجدد إلا بتجديد وعيه، ولا ينتصر إلا بانتصار إرادته على كل أشكال الجمود والتبعية والهزيمة.
فالتجديد لا يعني القطيعة مع المرجعية، كما أن الحفاظ على المرجعية لا يعني الجمود عند النص؛ وإنما تكمن حيوية الفكر في قدرته على الجمع بين أصالته وتجدد أدواته، وبين ثبات مبادئه واستجابته المتواصلة لأسئلة المستقبل.

Leave a Reply