“سورة النور… هل فرض الله أزياءً و (محاكم تفتيش) أم فرض بناء مجتمع؟”

صحيفة الهدف

يحيي شهوان

يفتتح الله سورة النور بآية تكاد تكون مفتاح السورة كلها:

﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾

ومن العجيب أن كثيرًا من القراءات الموروثة مرت على هذه الآية وكأنها تقول:
“هذه سورة فيها مجموعة أحكام و فرائض متفرقة: حد، وحجاب، واستئذان، و شاغراً لشرطة الآداب في المجتمع المؤمن.”
ثم انصرف الجهد إلى عدد خيوط الثوب، وطول الثوب، وشكل غطاء الرأس، حتى كاد القارئ ينسى السؤال الأهم:
*ما الذي فرضه الله في هذه السورة أصلًا؟*
لو كانت الفرائض المقصودة مجرد تعليمات متفرقة، لما احتاج القرآن إلى هذا الافتتاح الاستثنائي:

> *﴿وَفَرَضْنَاهَا﴾*

فالفرض هنا لا يبدو فرض مادة منفصلة، بل فرض *منظومة* كاملة.
ولو قرأنا السورة من أولها إلى آخرها، لا من خلال عناوين كتب الفقه، لوجدنا أن جميع آياتها تشد خيطًا واحدًا.
فهي تبدأ بالزنا.
ثم تنتقل إلى الشهادة.
ثم إلى القذف.
ثم إلى تحريم إشاعة الفاحشة.
ثم إلى غض الأبصار.
ثم إلى حفظ الفروج.
ثم إلى الاستئذان.
ثم إلى آداب دخول البيوت.
ثم إلى الاستئذان داخل البيت نفسه.
ثم تختم بآداب المجتمع المؤمن.
فأين الأحكام المتفرقة؟
وأين الموضوعات المنفصلة؟
إنها في الحقيقة *بناء واحد*.
السورة لا تفرض على المجتمع لونًا معينًا من الثياب., بل تفرض عليه *منظومة حماية للحرمات*.
حرمات الجسد.
وحرمات الأسرة.
وحرمات الحرية الشخصية.
وحرمات البيوت.
وحرمات السمعة.
وحرمات المجتمع.
ولهذا تبدأ السورة بأشد اعتداء على حرمة المجتمع، ثم تنتقل مباشرة إلى أخطر اعتداء على سمعة الأبرياء:

> *﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ…﴾*

ثم تمنع حتى مجرد تحويل الفاحشة إلى حديث يومي:

> *﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا…﴾*

ثم تنتقل إلى العين قبل اليد:

> *﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ…﴾*

ثم إلى المرأة:

> *﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ…﴾*

ثم إلى البيوت:

> *﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ…﴾*

ثم إلى الأطفال والخدم داخل البيت نفسه:

> *﴿لِيَسْتَأْذِنكُمُ…﴾*

هل هذه أحكام متفرقة؟
أم حلقات في سلسلة واحدة؟
الذي يتأمل السورة يرى أن الله لا يبني “قانون عقوبات” بقدر ما يبني *ثقافة مجتمع*.
فالمجتمع النقي لا يبدأ من السوط.
بل يبدأ من العين.
ومن اللسان.
ومن الباب.
ومن البيت.
ومن احترام خصوصية الإنسان.
العجيب أن كثيرًا من الجدل الذي دار حول السورة عبر القرون انحصر في سؤال مثل:
“هل غطاء الرأس يجب أن يكون بهذه الطريقة أم بتلك؟”
بينما السورة كانت تسأل سؤالًا أكبر بكثير:
*كيف نبني مجتمعًا لا تتحول فيه الأسرة إلى مؤسسة هشة، ولا يصبح فيه العرض سلعة، ولا تكون السمعة ميدانًا للقذف، ولا تتحول الفاحشة إلى مادة إعلامية يتلذذ الناس بتداولها؟*
لقد نجح بعض التراث في تحويل سورة تبني المجتمع إلى سورة تضبط تفاصيل المظهر.
وأصبح الاهتمام أحيانًا بطول الثوب أكبر من الاهتمام بحرمة البيت.
وبمظهر الانسان أكبر من الاهتمام بحرمة اللسان.
وبالجدل حول الزينة أكبر من الاهتمام بالقذف وإشاعة الفاحشة.
وكأن المجتمع يمكن أن ينهار أخلاقيًا ما دام الثوب طويلًا!
إن افتتاح السورة بقوله تعالى:

> *﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾*

يدعونا إلى قراءة مختلفة.
فالذي فُرض ليس قطعة قماش، ولا مجموعة أوامر منفصلة، بل *مشروع حضاري كامل*.
مشروع يبدأ من الأسرة لأنها اللبنة الأولى في المجتمع.
ويحمي العلاقة الزوجية بالإحصان.
ويحمي الإنسان من القذف.
ويحمي البيوت بالاستئذان.
ويحمي المجتمع من إشاعة الفاحشة.
ويحمي الضمير بغض البصر.
وعندها فقط نفهم لماذا افتتحت السورة بهذا الإعلان المهيب.
فالله لم يقل: “أحكام أنزلناها.” بل قال:

> *﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا﴾*

لأن المفروض هو السورة بوصفها *بناءً متكاملًا*، لا أحكامًا متناثرة يختار الناس منها ما يشاؤون.
وربما لهذا السبب ظل كثيرون يبحثون في سورة النور عن تفاصيل اللباس، بينما كانت السورة منذ أول آية تدعوهم إلى شيء أكبر بكثير:
*أن يبنوا مجتمعًا نقيًا، لا مجتمعًا يكتفي بتوحيد الأزياء بينما تتفكك الأسرة، وتُنتهك الحرمات، ويُطلق اللسان في أعراض الناس، وتتحول الفاحشة إلى ثقافة عامة.*

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.