د. أسماء التوم
كان ابن الجيران. كانت تراه كلما عاد إلى المنزل مرتديًا زيَّ إحدى الكليات النظامية، بينما كانت هي تخطو أولى خطواتها في المرحلة الثانوية.
تخرج والتحق بإحدى المؤسسات السيادية، وبدأت حياته العملية مبكرًا.
أما هي، فأكملت المرحلة الثانوية، ثم التحقت بجامعة عريقة. اختارت (كلية الاقتصاد والعلوم السياسية). كانت شغوفة بالعلم، لا يشغلها سوى التفوق والتحصيل. تخرجت بمرتبة الشرف، ثم عُيِّنت معيدة بالجامعة، وبدأت ترسم لنفسها طريقًا نحو الدراسات العليا.
في إحدى الأمسيات، دخلت عليها أمها، وعلى وجهها ابتسامة عريضة.
قالت بفرح: – جاءوا يطلبون يدك للزواج.
رفعت رأسها بدهشة وقالت: – أنا؟ ولماذا لا يطلبون أختي الكبرى؟ فقد تخرجت قبلي، وهي مستعدة للزواج.
ابتسمت الأم باستغراب، وقالت: – وما معنى “مستعدة للزواج”؟
لم تجب. كيف تشرح لأمها أنها لم تمنح قلبها فرصة للحب؟ كانت سنواتها الجامعية تمضي بين قاعات المحاضرات، وأرفف المكتبة، وأحاديث السكن الجامعي مع زميلة تشاركها الحلم نفسه: أن تنالا درجة الدكتوراه، وأن تعملا في الجامعة، وأن تساعدا أسرتيهما اللتين أثقلتهما ظروف الحياة.
قطعت الأم شرودها وهي تقول: – إنهم جيراننا… يريدونك زوجة لابنهم.
توقفت لحظة.
أهو ذلك الشاب الذي كانت تراه في الطريق بين الحين والآخر؟ الوسيم الهادئ الذي كان يعبر الطريق دون أن يلتفت إليها؟ كانت قد سرقت إليه نظرة عابرة ذات يوم، ثم مضت، كما مضى هو، كلٌّ في طريقه.
تم الزواج سريعًا، ومضت السنوات.
أنجبا أربعة أطفال، واستقرت حياتهما. وترقى الزوج في عمله حتى أصبح عقيدًا، ثم التحق بالأكاديمية العليا لنيل درجة الماجستير؛ إذ يتوقف الترقي إلى الدرجة العليا على نيل هذه الشهادة.
كان يستعد لامتحاناته بالقراءة بصوت مرتفع كعادته دومًا في المذاكرة، بينما كانت هي تُنهي شؤون المنزل، ثم تجلس لإعداد محاضراتها الجامعية لليوم التالي.
وفي إحدى الليالي، قال لها بضيق:
– المواد معقدة… وهناك مادة لا أستطيع فهمها.
أحست حينها أن عليها أن تساعده، وكانت سعيدة بذلك.
جلست إلى جواره، وأخذت المرجع من يده، وقالت بهدوء:
– هذه المواد لا تحتاج إلى الحفظ بقدر ما تحتاج إلى الفهم.
ثم بدأت تشرح له موضوعًا بعد آخر، تبسط الأفكار، وتربط بين المفاهيم، حتى وصلت إلى المادة التي استعصت عليه.
وما إن انتهت حتى ظل صامتًا، مطرقًا برأسه طويلًا.
ثم نهض دون أن ينطق بكلمة، ودخل غرفته وأغلق الباب.
في صباح اليوم التالي خرج إلى آخر امتحاناته، بينما ذهبت هي إلى الجامعة كعادتها.
وفي المساء، قال لها بهدوء:
– انتهت الامتحانات، ولدي أسبوع إجازة. سأذهب لزيارة الأهل، وأرى أن تقضي أنت أيضًا هذا الأسبوع مع أسرتك.
لم تجد في الأمر ما يثير الشك.
سافر كلٌّ منهما إلى أهله.
وفي اليوم الثالث، طرق الباب أحد أصدقائه.
ناولها ظرفًا مغلقًا، ثم انصرف دون أن يقول شيئًا.
تعجبت.
لماذا يرسل إليها رسالة؟ ولماذا لم يتصل بها؟
فتحت الظرف بيد مرتجفة.
لم تجد بداخله سوى ورقة واحدة.
وفي وسطها، كُتبت جملة قصيرة، لكنها كانت كافية لتقوِّض سنواتٍ كاملة من الحياة:
“لا أستطيع العيش مع امرأةٍ تفوقني ذكاءً.”
تجمدت عيناها على الكلمات.
ثم انزلقت الورقة من بين أصابعها، وانهمرت دموعها في صمت…
لم تكن تبكي نهاية زواجها فحسب، بل كانت تبكي لأن الذكاء، الذي أفنت عمرها في طلبه، أصبح في نظر أقرب الناس إليها تهمةً لا تُغتفر.
انتهت.
٢٥/٦/٢٠٢٦
القاهرة….
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #د_أسماء_التوم #قصص_قصيرة #معركة_الوعي

Leave a Reply