د. حسن الطوالبة
(كاتب من الأردن)
كنت أسمع بالشاعر حميد سعيد عندما غادرت الأردن إلى بغداد عام 1972، ولم أشاهده وجاهةً إلا بعد عودته من مهمته خارج العراق؛ إذ جمعتنا مناسبات كثيرة كوننا نعمل في مؤسسات الإعلام في العراق.
أول محطة عرفت فيها حَميد سعيد كانت في عام 1978، حيث كان الشهيد صدام حسين يشغل منصب نائب رئيس مجلس قيادة الثورة، وقد نظّم اجتماعات للكادر الحزبي في بغداد وأعضاء مكتب الثقافة والإعلام القومي وعدد من الإعلاميين من جريدة الثورة (أعضاء هيئة تحرير الثورة)، وكان هدف الاجتماع البحث في قضايا فكرية من أهداف الحزب، لأن الحزب بات يحكم في قطر عربي هو العراق، وكان اعتقاد صدام حسين آنذاك أنه من الضروري لمن يتصدى للحكم في العراق أن يصوغ نظرية الحزب العملية وبالذات في الجانب الاقتصادي، وقد تم إقرار أربعة قطاعات اقتصادية هي: القطاع العام الاشتراكي، والخاص، والتعاوني، والمختلط، وكذلك الملكية الخاصة، والبحث في الديمقراطية والحريات العامة. وفي ختام كل اجتماع كنا نكتب مقالات لجريدة الثورة في الصفحة الثالثة وتذيل بأن المقال مستفاد من اجتماع الأربعاء، أي أن ما فيه هو رأي الحزب.
في تلك الاجتماعات التي استمرت لأشهر عديدة، كان الرفاق يتسابقون للحديث ومنها كان سطحياً لا يثير اهتمام الرفيق صدام، وكان الرفيق حميد سعيد يكثر الصمت ويحسن الاستماع، فكان يتكلم عندما يتطلب الموقف الحديث، وفي مرات يطلُب منه الرفيق صدام الحديث لأنه يثق بصحة رأيه. وما يميز الرفيق حميد جرأته في النقد وإبداء الرأي الصائب.
ومحطة أخرى عرفت فيها حميد سعيد الكاتب والإعلامي المتميز بإحساسه الوطني والمهني أثناء مرحلة من مسار قادسية صدام، وبالذات عام 1982، حيث حققت القوات الإيرانية تقدماً على الأرض وبالذات في قاطعي دزفول والمحمرة. وفي ذات الزمن كنت قد عدت من مدينة المحمرة ضمن قاطع بورسعيد للجيش الشعبي الذي ضم قواعد فدائية من أقطار الوطن العربي، وقد تم أسر أو قتل أفراد القاطع الشعبي الذي تبادل مع قاطعنا من قبل القوات الإيرانية، وباتت القوات الإيرانية على أبواب مدينة البصرة. في تلك الأثناء كان عدد من الكُتّاب والأدباء يجتمعون في مبنى الإذاعة والتلفزيون في حي الصالحية، ويكتبون المقالات والتعليقات للإذاعات العراقية الناطقة باللغات العربية والفارسية، وكان الحزن والغم يملآن صدورنا كون تلك الخسارة العسكرية في قاطع المحمرة ووقوف القوات الإيرانية على أبواب مدينة البصرة. في تلك الأثناء الصعبة ساد بعض الغم واليأس النفوس، وكان وزير الإعلام آنذاك المرحوم لطيف نصيف جاسم يجلس في مكتب مدير عام الإذاعة والتلفزيون ويغلق عليه باب المكتب متألماً لما حدث ولا يتكلم معنا، ولكن الموقف كان يحتاج إلى موقف لأن البصرة كانت مهددة، فما كان من حميد سعيد إلا أن همس في أذني أن أذهب إلى الوزير ليتصل بالقيادة لبلورة موقف وطني هدفه حماية البصرة. وبالفعل، بعد دقائق خرج علينا الوزير بتعليمات إعلامية سرنا عليها خلال المدة التي تلت معركة المحمرة.
أما المحطة الثالثة هي مكتب الثقافة والإعلام القومي؛ فقد تعاقب على رئاسة المكتب الذي يرأسه الشهيد صدام حسين نوابٌ منهم الرفاق سعدون حمادي، وطارق عزيز، وإلياس فرح، حيث كانت مسؤولية إلياس فرح أطول مدة. كان مدير المكتب التنفيذي الرفيق الشاعر كمال الحديثي يدعو الرفاق للاجتماع أسبوعياً لمناقشة جدول الأعمال الذي غالباً ما كنت أعد فقراته بعد التشاور مع الرفيق كمال والرفيق إلياس فرح. وفي الغالب كان جدول الأعمال ينقسم إلى فقرتين: الأولى فكرية لمناقشة قضية أو كتاب مهم مثل كتاب فوكوياما (نهاية العالم) وصراع الحضارات لهنتنغتون، والقسم الثاني هو الجانب الإداري الذي يُعنى بمسار الثقافة في فروع الحزب من حيث المحاضرات والمنهاج الثقافي المقرر للمراتب الحزبية، فكان للمؤيدين كتاب، وللنصار كتاب، وللأعضاء كتاب. كان الرفيق حميد قلما يناقش في الجانب الإداري، بل كان اهتمامه في مناقشة القضايا الفكرية، وقلما يحصل تصادم في الأفكار بين رفاق المكتب.
الرفيق حميد أنصفه الشعراء، قالوا فيه وفي نتاجه ما يستحق المبدع من الشعراء والنقاد. ما أقوله في الرفيق أبا بادية أو أبا مصعب وأنا في الثانية والثمانين من العمر؛ إنه رفيق مخلص لمبادئه، نقي في علاقاته، ودود مع الأصدقاء، محب للخير. وفي هذه المناسبة أبتَهِل إلى الله أن يطيل في عمره ويبدع في مجالات الشعر والفكر، ومن الله التوفيق.
الأردن – 19 أيار 2026
#صحيفة_الهدف #ملف_الهدف_الثقافي #حميد_سعيد #د_حسن_الطوالبة #معركة_الوعي

Leave a Reply