من الأمن إلى صناديق الاقتراع… كيف أصبح الأمن المحور الرئيسى للسياسة الانتخابية للكيان الص.هيوني الغاصب “الجزء الثالث”

صحيفة الهدف

بقلم : ماجد الغوث .

إذا كان التحول الذي أحدثته انتخابات عام 1977 قد أعاد رسم الخريطة الحزبية داخل الكيان الص.هيوني الغاصب، فإن التحول الأعمق تمثل في ترسيخ مفهوم الأمن بوصفه المعيار الأكثر تأثيراً في المنافسة السياسية. فمنذ ذلك التاريخ، لم يعد الأمن مجرد بند ضمن البرامج الانتخابية، بل أصبح الإطار الذي تُقدَّم من خلاله معظم القضايا الأخرى، سواء تعلقت بالاقتصاد أو السياسة الخارجية أو العلاقات مع الشعب الفلسطيني. وأصبحت قدرة أي حزب على إقناع الناخبين بأنه الأكثر كفاءة في إدارة التحديات الأمنية عاملاً رئيساً في تحديد فرصه في الوصول إلى السلطة وإدارة دفة الحكم الاستيطاني.

وقد ساهمت طبيعة البيئة الإقليمية، وما شهدته من ح.روب عدوانية وانتفاضات ومقاومة مسلحة، في ترسيخ هذا الاتجاه. فكلما تصاعد التوتر، عاد الأمن إلى صدارة الخطاب السياسي، وازدادت مكانة القيادات ذات الخلفية العسكرية أو الأمنية، بينما تراجعت نسبياً القضايا الاجتماعية والاقتصادية في النقاش العام لصالح لغة القوة. وبهذا المعنى، لم تكن الأحداث الأمنية مجرد تحديات تواجه الحكومات، بل أصبحت أيضاً عاملاً يعيد تشكيل المزاج الانتخابي ويؤثر في خيارات الناخبين نحو مزيد من التطرف.

ومن السمات البارزة للحياة السياسية في الكيان الص.هيوني الغاصب الحضور المستمر لشخصيات قادمة من المؤسسة العسكرية. فقد انتقل عدد كبير من رؤساء الأركان وكبار القادة العسكريين إلى العمل السياسي، وتولى بعضهم رئاسة الحكومة أو حقائب سيادية حساسة، كما لعب آخرون أدواراً محورية في قيادة الأحزاب أو تشكيل التحالفات الانتخابية. ويعكس ذلك المكانة التي يحتلها الجيش في المجتمع الاستيطاني، حيث يُنظر إلى الخبرة العسكرية لدى قطاع واسع من الناخبين بوصفها مؤشراً على القدرة على قمع المقاومة واتخاذ القرارات العدوانية في أوقات التوتر.

ولا يعني ذلك أن جميع القادة العسكريين تبنوا المواقف السياسية نفسها، فقد شهدت الساحة تبايناً في الرؤى بين من دعا إلى إجراءات أكثر دموية، ومن رأى أن بعض المناورات السياسية قد تخدم أهداف الكيان على المدى الطويل. ومع ذلك، بقيت الخبرة العسكرية عنصراً مؤثراً في الصورة العامة للمرشح، وأسهمت في تشكيل الخطاب الانتخابي عبر عقود متتالية.

وفي هذا السياق، برزت ظاهرة استخدام العمليات العسكرية والأحداث الأمنية في الحملات الانتخابية، سواء من خلال إبراز إنجازات الحكومات في إراقة الدماء وتنفيذ عمليات الاغ.تيال، أو عبر توجيه الانتقادات إلى الخصوم بسبب ما يُعد إخفاقاً في حماية المستوطنين. وغالباً ما كانت الأحزاب تتنافس في تقديم تصوراتها حول كيفية التعامل مع التحديات، مستفيدة من حساسية هذه القضايا لدى الرأي العام الاستيطاني.

كما أدى استمرار الصراع إلى تعزيز دور المؤسسات الأمنية والاستخباراتية في النقاش السياسي. فالتقديرات الصادرة عن هذه الأجهزة كثيراً ما أصبحت جزءاً من الجدل الانتخابي، وهو ما أضفى على قضايا الأمن حضوراً دائماً في الحملات الانتخابية، حتى في الفترات التي لم تشهد مواجهات واسعة النطاق.

وفي المقابل، انعكست هذه الأولوية الأمنية على طبيعة السياسات المتبعة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إذ ارتبطت كثير من القرارات المتعلقة بالقيود، والانتشار العسكري، وبناء الجدران الفاصلة، وتوسيع المستوطنات، بالنقاشات الدائرة داخل الكيان الص.هيوني الغاصب حول الأمن ومستقبل الصراع. وقد دافعت حكومات الكيان عن هذه السياسات القمعية باعتبارها ركيزة أساسية لأمنها القومي المزعوم.

ومع تعاقب الانتخابات، أصبح من المألوف أن يُعاد تعريف النجاح السياسي من خلال القدرة على إظهار الحزم الدموي في الملفات الأمنية. وفي الوقت نفسه، بقيت هناك تيارات هامشية داخل الكيان تدعو إلى مقاربات سياسية مختلفة، إلا أن تأثيرها الانتخابي شهد تراجعاً مستمراً في ظل تصاعد التوترات الأمنية ورغبة الشارع الاستيطاني في المزيد من البطش.

ويُظهر تتبع الانتخابات منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي أن الأمن لم يكن موضوعاً ثابتاً فحسب، بل كان إطاراً مرناً يتكيف مع طبيعة كل مرحلة لتكريس الاحتلال. ففي بعض الانتخابات ارتبط بالنزاعات الإقليمية، وفي أخرى بالانتفاضات الفلسطينية أو بالملف النووي أو بقضايا الحدود، إلا أن القاسم المشترك ظل هو مركزية الأمن في تشكيل الخطاب السياسي وفي تحديد أولويات الحملات الانتخابية.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.