م. عادل أحمد محمد
يشهد الاقتصاد العالمي مرحلة غير مسبوقة من الضغوط المالية، جعلت قضية الديون السيادية تتصدر أجندة المؤسسات الاقتصادية الدولية. فبعد سنوات من التوسع في الاقتراض لمواجهة جائحة كورونا، ثم الارتفاع الحاد في أسعار الفائدة العالمية، والتداعيات الاقتصادية للحروب والاضطرابات الجيوسياسية، أصبحت العديد من الدول النامية تواجه اختبارًا صعبًا يتمثل في قدرتها على خدمة ديونها وتمويل احتياجاتها التنموية في الوقت نفسه.
وتحذر تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية من أن ارتفاع تكلفة الاقتراض العالمي وتباطؤ النمو الاقتصادي يضعان العديد من الاقتصادات النامية تحت ضغوط متزايدة، خاصة تلك التي تعتمد على صادرات محدودة، أو تعاني من ضعف الإيرادات العامة، أو تواجه صراعات داخلية تؤثر في قدرتها على الإنتاج.
إن التعثر السيادي لا يعني انهيار الدولة، بل يعني عجزها عن الوفاء بالتزاماتها المالية في مواعيدها، أو اضطرارها إلى إعادة التفاوض مع الدائنين بشأن آجال السداد أو أسعار الفائدة أو أصل الدين. غير أن خطورة التعثر لا تكمن في الحدث ذاته، وإنما في آثاره اللاحقة؛ إذ يؤدي إلى تراجع ثقة المستثمرين، وانخفاض التصنيف الائتماني، وارتفاع تكلفة التمويل، وتراجع قيمة العملة الوطنية، وازدياد معدلات التضخم والبطالة، وهو ما ينعكس مباشرة على مستوى معيشة المواطنين.
وتؤكد التجارب الدولية أن التعثر المالي لا ينتج عن ارتفاع حجم الديون وحده، بل عن اختلال العلاقة بين الدين والإنتاج. فالدولة التي تقترض لتمويل مشروعات إنتاجية قادرة على تحقيق نمو اقتصادي وزيادة الإيرادات تستطيع غالبًا إدارة ديونها بكفاءة، بينما تتحول الديون إلى عبء عندما تُستخدم في تمويل الإنفاق الجاري أو معالجة أزمات مؤقتة دون خلق قيمة اقتصادية مضافة.
وقد شهد العالم خلال الأعوام الأخيرة نماذج متعددة لهذا الواقع. ففي سريلانكا، أدت أزمة النقد الأجنبي وتراجع عائدات السياحة إلى أزمة سيولة حادة انتهت بالتعثر المالي. وفي زامبيا، فرضت أعباء الديون إعادة هيكلة معقدة مع الدائنين. كما واجهت غانا ضغوطًا مالية دفعتها إلى تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي واسع، بينما ظلت الأرجنتين مثالًا على أن إعادة هيكلة الديون وحدها لا تكفي إذا لم تصاحبها إصلاحات اقتصادية ومؤسسية مستدامة.
وتكشف هذه التجارب أن العلاج الحقيقي يبدأ من داخل الاقتصاد الوطني، عبر تحسين الإدارة المالية، وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز الإنتاج، وليس من خلال الاقتراض المتواصل.
أما السودان، فإن وضعه يختلف عن كثير من الدول النامية، لأنه يواجه تحديين في آن واحد: تحديات التنمية التقليدية، وآثار ح.رب واسعة ألحقت أضرارًا بالبنية التحتية والقطاع الإنتاجي والخدمات العامة. وقد انعكس ذلك في انخفاض النشاط الاقتصادي، وتراجع الإيرادات الحكومية، وارتفاع الاحتياجات الإنسانية، وزيادة الحاجة إلى تمويل إعادة الإعمار.
غير أن قراءة الواقع السوداني يجب ألا تقتصر على حجم التحديات، بل ينبغي أن تشمل أيضًا حجم الفرص. فالسودان يمتلك واحدًا من أكبر الاحتياطيات الزراعية في إفريقيا، وثروات معدنية متنوعة، وإمكانات كبيرة في مجالات الثروة الحيوانية والطاقة والموارد المائية، فضلًا عن موقع جغرافي يربط بين شمال القارة الإفريقية وشرقها ووسطها.
لكن هذه الموارد، مهما بلغت وفرتها، لا تتحول تلقائيًا إلى تنمية. فالخبرة الاقتصادية العالمية تؤكد أن الثروة الطبيعية قد تصبح نعمة أو عبئًا، بحسب جودة الإدارة والمؤسسات والسياسات العامة. ومن ثم فإن نجاح السودان في مرحلة ما بعد الح.رب لن يقاس فقط بحجم المساعدات أو القروض التي يحصل عليها، بل بقدرته على بناء اقتصاد منتج، قادر على توليد الإيرادات وخلق فرص العمل وجذب الاستثمار.
ولعل أهم درس تقدمه تجارب الدول التي تجاوزت أزماتها هو أن إعادة الإعمار ليست إعادة بناء المباني والجسور فحسب، وإنما إعادة بناء الاقتصاد نفسه. وهذا يتطلب إصلاح النظام الضريبي، وترشيد الإنفاق العام، وتطوير القطاع الزراعي، وتعظيم القيمة المضافة للثروات المعدنية، وتحسين بيئة الأعمال، وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، حتى تصبح الموارد الوطنية هي المصدر الرئيس للنمو، لا القروض الخارجية.
كما أن إدارة الدين العام يجب أن تقوم على رؤية استراتيجية توازن بين الحاجة إلى التمويل والقدرة المستقبلية على السداد، مع توجيه الاقتراض نحو المشروعات الإنتاجية التي تحقق عائدًا اقتصاديًا واضحًا، بدلًا من الاعتماد على الديون لتمويل المصروفات التشغيلية أو سد العجز الجاري.
وفي هذا السياق، فإن السودان يحتاج إلى برنامج اقتصادي متكامل يربط بين الاستقرار السياسي والإصلاح الاقتصادي، لأن التجارب الدولية أثبتت أن الاستثمار لا يبحث فقط عن الموارد، بل يبحث أيضًا عن الاستقرار، وسيادة القانون، ووضوح السياسات، وكفاءة المؤسسات.
إن السؤال المطروح اليوم ليس ما إذا كان السودان معرضًا لمخاطر الديون، فهذه المخاطر تواجه معظم الدول النامية بدرجات متفاوتة، وإنما السؤال الأهم هو: كيف يمكن تحويل مرحلة ما بعد الح.رب إلى نقطة انطلاق نحو اقتصاد أكثر إنتاجًا وقدرة على الصمود؟
إن الإجابة تكمن في الانتقال من اقتصاد يعتمد على إدارة الأزمات إلى اقتصاد يقوم على التخطيط والإنتاج والاستثمار. فالحروب مهما كانت آثارها المدمرة لا تلغي إمكانات الشعوب، بل قد تكون، إذا أُحسن استثمار دروسها، بداية لمرحلة جديدة أكثر قوة واستدامة.
وبين شبح التعثر المالي وفرصة إعادة البناء، يقف السودان اليوم عند مفترق طرق تاريخي. والطريق الذي ستسلكه البلاد لن تحدده الظروف الخارجية وحدها، بل ستحدده أيضًا السياسات الاقتصادية التي تُتخذ، والإصلاحات التي تُنفذ، ومدى القدرة على تحويل الموارد الطبيعية والطاقات البشرية إلى قوة إنتاجية حقيقية، تضع السودان على مسار التعافي والنمو المستدام.
#السودان #الديون_السيادية #الاقتصاد_السوداني #إعادة_الإعمار #صندوق_النقد_الدولي #التنمية_المستدامة #ح.رب

Leave a Reply