أ. د. طارق السامرائي
جامعة ترنتي
لم تعد الصراعات السياسية في هذا القرن المميز تحسم بالقوة العسكرية وحدها، ولا بالانقلابات أو الاغتيالات والتصفيات الجسدية كما كان أسلوب المراحل السابقة القريبة.
فقد أفرزت الثورة الرقمية واتساع الفضاء الإعلامي وتطور تقنيات الاتصال والذكاء الاصطناعي نمطاً جديداً من الصراع يقوم على أساس استهداف السمعة بدل الجسد، والثقة بدل الوجود المادي.
ففي عالم تتشكل فيه القناعات عبر الشاشات والمنصات الرقمية، تصبح الصورة الذهنية إحدى أهم مصادر القوة، وتصبح فاعلية تدميرها وسيلة ناجعة لإقصاء الخصوم وإضعاف دورهم السياسي.
وتبعاً لطبيعة وعنوان المقالة، فإن ما نقصد به “الاغتيال المعنوي” هو ذلك الفعل المنظم الذي يستهدف تقويض مصداقية فرد أو مؤسسة عبر حملات التشويه أو تزييف المعلومات أو أسلوب التضليل، وهو صيغة لاجتزاء الوقائع من سياقها الطبيعي أو تضخيم حجم الأخطاء بهدف التأثير في الرأي العام.
وهذا التوجه السلوكي يختلف كلياً عن النقد السياسي المشروع، والذي يقوم على عرض الوقائع ومناقشتها في إطار احترام الحقيقة وحق الناس في معرفتها.
فالاغتيال المعنوي لا يبحث عن الحقيقة، بقدر ما يسعى إلى إنتاج رواية قادرة على هدم الثقة حتى وإن افتقرت إلى الأدلة الكافية.
هذه الظاهرة ليست جديدة من حيث المبدأ، فقد شهد التاريخ السياسي حملات مقصودة لتشويه الخصوم عبر الشائعات والكذب الممنهج، إلا أن التحول الرقمي منحها أدوات أكثر سرعة وأوسع انتشاراً وأعمق تأثيراً.
فوسائل التواصل الاجتماعي لم تكتفِ بتغيير طريقة تداول الأخبار فحسب، بل أعادت تشكيل المجال العام بأكمله، حيث بإمكان منشور واحد قصير أن يُوصل إلى ملايين الأشخاص ضمن زمن قياسي، في حين تتولى الخوارزميات تعزيز المحتوى المثير للجدل بصرف النظر عن مدى دقته أو نسبة صدقه.
وضمن هذا السياق، لم تعد السيطرة على المعلومات وحدها كافية، بل أصبح التحكم في الانطباعات والصور الذهنية هدفاً سياسياً قائماً بذاته، وباتت الصورة الذهنية إحدى مصادر القوة، وتدميرها ضرورة فعالة لإقصاء الخصوم وإضعافهم سياسياً.
وبالتأكيد، تزداد خطورة هذه الظاهرة مع طبيعة التطور المتسارع لما نتجت عنه العملية المعرفية (الذكاء الاصطناعي)، الذي أتاح إنتاج مقاطع وصور ومشاهد مرئية وصوتية مزيفة يصعب على المتلقي التمييز بينها وبين الأساس الحقيقي.
ومع انتشار تقنيات التزييف المبرمج، أصبح من السهل صناعة تصريحات وأفلام ومواقف كاملة تستخدم في حملات الاستهداف الشخصية والمؤسسية للمسؤولين، وهو ما يفرض تحديات جديدة تجاه الإعلام والقضاء والرأي العام.
في زمن أصبحت فيه الأدلة البصرية قابلة للتزوير وبإطار إتقان عالي، لم يعد السؤال يختزل على صحة الخبر، بل يمتد إلى موثوقية الدليل نفسه.
لا تقتصر ممارسة الاغتيال المعنوي على الحكومات أو المنظمات أو الأحزاب السياسية، بل قد تعدتها لكي تمارسها جماعات الضغط ومؤسسات الإعلام والجيوش الإلكترونية، وربما أيضاً أفراد يمتلكون قدرة على التأثير عبر المنصات الرقمية أو من مواقعهم المؤثرة.
وتختلف الأهداف والدوافع بين تحقيق مكاسب طموحة فردية أو تكتلية، أو إضعاف وإسقاط الخصوم والمنافسين، أو التأثير في قرارات الجماهير أو صياغة النقاش السياسي بعيداً عن القضايا الجوهرية إلى معارك جانبية قوامها التشهير والتسقيط لاستقطاب بدائل لغرض المنفعة الشخصية أو التكتلية.
تعتمد هذه الحملات في نجاح مهامها على طبيعة البيئة السياسية والإعلامية، فكلما ضعفت الثقة بالمؤسسة واشتد الاستقطاب وتراجع الإعلام المهني، أصبحت المجتمعات أكثر قابلية لتصديق مسائل غير موثقة.
وفي مثل هذه البيئات، لا يكون الهدف إقناع الجميع، بل يكفي إثارة الشكوك حول الخصم وتوليد ضبابية في صفاته ومدى درجة انتمائه للعمل الصالح؛ لأن الششك وحده قد يكون كافياً لإضعاف مكانته وموقعه السياسي ومسؤولياته، وبالتالي تقويض شرعيته في ذاكرة الآخرين.
إن عمليات الاغتيال المعنوي تتخذ أشكالاً متنوعة، ومنها: التسريبات غير الموثقة، أو إعادة نشر تصريحات خارج سياقها، أو توظيف الحياة الخاصة في الصراع السياسي، أو إطلاق حملات منظمة عبر الوسوم الرقمية، أو استخدام شبكات من الحسابات الوهمية لتضخيم حجم رواية محددة وإيهام الآخرين بأنها تمثل رأياً عاماً.
وتظهر هذه الممارسات المرضية والممنهجة على أن المعركة السياسية لم تعد تدور فقط حول البرامج والأفكار، بل حول إدارة الإدراك الجماعي وصناعة الانطباعات.
وربما تتجاوز آثار الاغتيال المعنوي حدود الشخص المستهدف إذ تتسع إلى المجال العام برمته؛ فعندها تتحول المنافسة السياسية إلى ساحة اتهامات متبادلة تفتقر إلى الأدلة، وتتراجع ثقة القواعد بالأحزاب والمؤسسات ووسائل الإعلام، وآنذاك يصبح التمييز بين الحقيقة والدعاية أكثر صعوبة، وفي هذه الحالة لا تكون الخسارة مقتصرة على طرف سياسي معين، بل تطال جودة الحياة الديمقراطية نفسها التي تؤسس على النقاش الحر المبني على الحقائق لا على الشائعات.
أما على المستوى الدولي، بات الاغتيال المعنوي جزءاً من أدوات المنافسة بين الدول؛ حيث يتم استخدام الحملات الإعلامية والتسريبات وعمليات التأثير الرقمي لمحاولات تقويض صورة الخصوم أو التأثير في مواقف الرأي العام العالمي.
لذلك لم تعد السمعة الوطنية عنصراً رمزياً فحسب، بل أصبحت جزءاً من عناصر القوة الشاملة للحزب أو المؤسسة، شأنها شأن الدبلوماسية والاقتصاد والمرتبة العسكرية.
فالصراع على الموقع السياسي لم يعد يتمحور حول السيطرة لمكانة أعلى بل أيضاً حول السيطرة على طبيعة البقاء والتدرج في المؤسسة.
لذلك لا ينبغي الخلط بين الاغتيال المعنوي وبين الدور الرقابي للإعلام! إن الكشف المهني عن الفساد أو إساءة استخدام السلطة والمسؤولية تحت توفر الأدلة والتحقيق يمثل ركيزة فاعلة في أي مجتمع يحترم سيادة القانون.
أما الاغتيال المعنوي فإنه يقوم على الإدانة المسبقة وتوجيه الاتهامات دون تحقق كافٍ، أو توظيف المعلومات بصورة انتقائية لإنتاج صورة ذهنية تخدم أهدافاً شخصية أو سياسية أو إعلامية.
الخاتمة
إن أخطر ما تكشفه هذه الظاهرة المرضية هو أن الصراع على السلطة لم يعد يدور فقط على السيطرة على المؤسسة، بل أيضاً على التدرج للمسؤولية وإزاحة الخصوم عن طريق تحقيق المصالح والمنافع الشخصية والفئوية.
السمعة اليوم أصبحت مورداً استراتيجياً وقد يكون إسقاطها أكثر تأثيراً من إسقاط الخصم بالقوة، بالمقابل فإن مواجهة هذه الظاهرة لا تتحقق عبر تقييد حرية التعبير، وإنما من خلال تعزيز الإعلام المهني وترسيخ ثقافة التحقق من المعلومات وتطوير الأطر القانونية والانضباطية التي توازن بين حماية السمعة وصيانة الحق في النقد والمساءلة.
لقد نقل العصر الرقمي السياسة من ساحات المواجهة التقليدية إلى فضاء تتنافس فيه الروايات والصور والانطباعات.
ففي هذا الفضاء قد تكون الكلمة المضللة أشد أثراً من الرصاصة، وقد يتحول تشويه السمعة إلى وسيلة لإعادة رسم موازين القوة.
ومن هذا المنطلق، فإن الدفاع عن الحقيقة لم يعد مجرد قيمة أخلاقية، بل بات شرطاً أساسياً لحماية الآخرين وضمانة أن تبقى المنافسة السياسية قائمة على المصداقية والواقع الملموس لا على حملات التشويه والكسب الرخيص، وعلى الحجة لا على الاغتيال المعنوي.
أ. د. طارق السامرائي / بريطانيا

Leave a Reply