السيادة الوطنية في إرتيريا: عندما تتحول الدولة إلى رهينة للنظام..

صحيفة الهدف

صالح أشواك-إرتيريا

من أكثر المفاهيم حضورًا في الخطاب السياسي الإرتري مفهوم السيادة الوطنية. فمنذ الاستقلال، حرص النظام على تقديم نفسه بوصفه الحارس الوحيد لاستقلال البلاد ووحدتها، حتى أصبح الدفاع عن النظام مرادفًا للدفاع عن الوطن، وأصبح أي اعتراض على سياساته يُصور على أنه مساس بالسيادة الوطنية.

غير أن هذا الاستخدام يثير سؤالًا جوهريًا: هل السيادة ملك للدولة أم للنظام؟ وهل حماية السيادة تعني حماية المواطن، أم حماية السلطة؟

في الفكر السياسي الكلاسيكي، نشأت السيادة بوصفها سلطة الدولة العليا على إقليمها وسكانها، بما يضمن استقلالها عن أي تدخل خارجي. لكن تطور الدولة الحديثة أضاف بعدا آخر لا يقل أهمية، وهو أن شرعية هذه السيادة تقوم على خدمة المجتمع وحماية حقوقه. فالدولة ليست غاية في ذاتها، وإنما وسيلة لتحقيق الأمن والحرية والعدالة لمواطنيها.

أما في الأنظمة الدكتاتورية، فإن هذا المفهوم يتعرض غالبًا لعملية إعادة تعريف. فبدلًا من أن تكون السيادة ملكًا للشعب، تصبح ملكًا للسلطة. ويُختزل الوطن في النظام الحاكم، ويصبح بقاء القيادة السياسية هو المعيار الحقيقي للوطنية، بينما يُتهم كل من يطالب بالإصلاح بأنه يضعف الدولة ويخدم أجندات خارجية.

هذا ما يمكن ملاحظته بوضوح في تجربة الدولة الإرترية. فمنذ سنوات طويلة، تواجه المطالب المتعلقة بتفعيل الدستور، وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وإنهاء الخدمة الوطنية غير محددة الأجل، واحترام الحريات العامة، بخطاب ثابت مفاده أن البلاد تواجه مؤامرات وتهديدات خارجية، وأن الوقت ليس مناسبًا للحديث عن الإصلاح.

لا شك أن إرتريا واجهت تحديات أمنية حقيقية منذ استقلالها، وكان لها الحق في الدفاع عن أمنها واستقلالها. لكن الإشكالية تبدأ عندما تتحول الظروف الاستثنائية إلى حالة دائمة، ويصبح الخطر الخارجي مبررًا لتعليق الدستور، وإلغاء السياسة، وإغلاق المجال العام، وتحويل المجتمع إلى مجتمع تعبئة مستمرة.

لقد أنتج هذا الخطاب معادلة خطيرة كلما ازدادت الأزمات الداخلية، ازداد الحديث عن السيادة. وكلما ارتفعت الأصوات المطالبة بالعدالة، جرى اتهامها بتهديد الوطن. وهكذا تتحول السيادة من مبدأ لحماية الدولة إلى أداة لحماية السلطة من المساءلة.

واللافت أن هذا الخطاب يتجاهل سؤالًا أساسيًا ما قيمة السيادة إذا كان المواطن نفسه فاقدًا لحريته وحقوقه؟

فما معنى أن تكون الحدود محمية بينما يعيش آلاف الشباب في خدمة وطنية بلا أفق زمني؟ وما معنى استقلال القرار السياسي إذا كان الاقتصاد يعاني من الجمود، والتنمية متعثرة، والهجرة أصبحت حلمًا لقطاعات واسعة من الشباب؟ وما معنى الحديث عن حماية الوطن إذا كان المواطن لا يشعر بالأمان القانوني ولا يملك حق التعبير أو التنظيم أو المشاركة السياسية؟

إن السيادة ليست مجرد سيطرة على الأرض، وإنما هي أيضًا قدرة الدولة على بناء عقد سياسي عادل بين السلطة والمجتمع. فلا يمكن الفصل بين استقلال الدولة وكرامة المواطن، لأن الإنسان هو الغاية النهائية لأي مشروع وطني.

إن أحد أخطر آثار هذا الخطاب هو تحويل الوطنية إلى معيار للإقصاء. فبدلًا من أن تكون الوطنية إطارًا يجمع جميع المواطنين على اختلاف آرائهم، تصبح أداة لتقسيم المجتمع بين (وطنيين) يحتكرون الحديث باسم الدولة، و(خونة) لمجرد أنهم يطالبون بالدستور والعدالة وسيادة القانون.

إن التجارب الدولية تثبت أن الدول لا تضعف بسبب احترام حقوق الإنسان، وإنما تضعف عندما تفقد ثقة مواطنيها. فالمواطن الذي يشعر أن الدولة تحترمه وتمنحه حقوقه سيكون أكثر استعداداُ للدفاع عنها في مواجهة أي عدوان خارجي، بينما لا يمكن بناء وطن قوي على الخوف والصمت والإقصاء.

ولهذا، فإن إعادة الاعتبار لمفهوم السيادة في إرتريا تقتضي الفصل بوضوح بين الدولة والنظام. فالنظام السياسي كيان قابل للنقد والتغيير والمساءلة، أما الدولة فهي الإطار الجامع لجميع المواطنين. والدفاع عن الدولة لا يعني الدفاع عن السلطة، كما أن المطالبة بالإصلاح ليست تهديدًا للوطن، بل هي محاولة لإنقاذه من الاستبداد.

إن السيادة الحقيقية ليست شعارًا يُرفع كلما طرحت مطالب الإصلاح، وإنما هي منظومة متكاملة تقوم على حماية الحدود، وصيانة الحقوق، وسيادة القانون، واستقلال القضاء، وشرعية المؤسسات، واحترام الإرادة الشعبية. وكل سيادة لا تضع الإنسان في مركزها تظل سيادة منقوصة، لأنها تحمي الأرض بينما تترك المواطن بلا حماية.

ولعل التحدي الأكبر أمام القوى الوطنية الإرترية اليوم هو استعادة مفهوم السيادة من احتكار السلطة، وإعادة تعريفه بوصفه سيادة للشعب والدولة معًا، لا سيادة للنظام على الدولة. فعندما تصبح كرامة المواطن جزءًا من الأمن القومي، ويصبح احترام الدستور جزءًا من حماية الوطن، تتحول السيادة من أداة للدعاية السياسية إلى أساس حقيقي لبناء دولة عادلة ومستقرة.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.