بقلم: ماجد الغوث
الجزء الأول: مقدمة
لم تكن الانتخابات في الكيان الص.هيوني الغاصب، منذ قيام الدولة المزعومة عام 1948، مجرد آلية ودورية لتداول السلطة بين أحزاب تتنافس على إدارة الشأن العام، وإنما ارتبطت منذ نشأتها بطبيعة المشروع الص.هيوني ذاته، باعتباره مشروعاً استيطانياً قام على السيطرة على الأرض، وإحلال جماعات مهاجرة محل السكان الأصليين، وبناء مؤسسات سياسية وعسكرية قادرة على ترسيخ هذا الواقع. وفي هذا السياق، ظل البعد الأمني يحتل مكانة مركزية في الخطاب السياسي، ليس باعتباره قضية من بين قضايا الدولة، وإنما بوصفه الإطار الذي تُفسَّر من خلاله معظم السياسات الداخلية والخارجية، ويُعاد عبره تشكيل أولويات المجتمع والناخبين.
ومع مرور العقود، لم يقتصر حضور الأمن على كونه ملفاً انتخابياً، بل أصبح أحد أهم عناصر الشرعية السياسية داخل الكيان الصه.يوني الغاصب، إذ كثيراً ما ارتبط تقييم القيادات الحزبية بقدرتها على إقناع الجمهور بأنها الأكثر كفاءة في إدارة الصراع، والأشد حزماً في مواجهة التحديات الأمنية، والأقدر على حماية الكيان وفق الرؤية التي يتبناها المجتمع الاستيطاني. وفي هذا السياق، برزت شخصيات سياسية ذات خلفيات عسكرية لعبت أدواراً بارزة في الحياة العامة، كما تعاظم تأثير المؤسسة الأمنية في رسم السياسات العامة وصياغة الخطاب الانتخابي.
وتُعد انتخابات عام 1977 محطة مفصلية في التاريخ السياسي للكيان، إذ أنهت هيمنة حزب العمل التي استمرت منذ التأسيس، وفتحت الباب أمام صعود حزب الليكود بقيادة مناحيم بيغن، فيما عُرف في الأدبيات السياسية بـ”الانقلاب السياسي”. ولم يكن هذا التحول مجرد انتقال للسلطة بين حزبين، بل مثّل تغيراً في موازين القوى داخل المجتمع، وأسهم في تعزيز نفوذ التيارات القومية والدينية، وفي إعادة تعريف العلاقة بين السلطة القائمة والأراضي المحتلة بعد عام 1967، ولا سيما الضفة الغربية والقدس الشرقية.
ومنذ ذلك التاريخ، شهد الكيان الص.هيوني الغاصب تحولات سياسية متلاحقة، اتسم معظمها بتنامي حضور اليمين، وتراجع التيارات التي تبنت مقاربات أكثر انفتاحاً. وفي الوقت ذاته، توسعت المستوطنات في الأراضي المحتلة، وأصبحت قضية الاستيطان جزءاً ثابتاً في برامج عدد من الأحزاب، كما ازداد تأثير الأحزاب الدينية والقومية في تشكيل الحكومات الائتلافية، الأمر الذي انعكس على السياسات المتبعة تجاه الفلسطينيين وعلى طبيعة الخطاب السياسي خلال الحملات الانتخابية.
ولا يمكن فهم تطور الحياة السياسية بمعزل عن المحطات الكبرى التي شهدها الصراع الفلسطيني، بدءاً من ح.رب أكتوبر 1973، مروراً بالانتفاضة الفلسطينية الأولى، واتفاق أوسلو، واغ.تيال إسحق رابين، ثم الانتفاضة الثانية، والانسحاب من قطاع غزة، والح.روب المتكررة على القطاع، وصولاً إلى الأحداث التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023 وما ترتب عليها من تحولات داخلية وإقليمية ودولية. فقد تركت هذه الأحداث جميعها آثاراً عميقة في المزاج الانتخابي، وأثرت في أولويات الناخبين، وأسهمت في إعادة تشكيل التحالفات الحزبية وفي صعود شخصيات وتراجع أخرى.
وتسعى هذه الدراسة إلى تحليل العلاقة بين الانتخابات والسياسات الأمنية منذ عام 1977 وحتى عام 2026، من خلال قراءة تاريخية وتحليلية لمسار الأحزاب الكبرى، وتحولات الرأي العام، ودور المؤسسة العسكرية، وتأثير الحكومات الائتلافية، وانعكاسات التطورات الميدانية على الخطاب السياسي، مع التركيز على الكيفية التي أسهم بها الصراع المستمر في تشكيل المشهد السياسي عبر ما يقرب من خمسة عقود.
ولا تنطلق هذه الدراسة من افتراض وجود علاقة خطية بسيطة بين الأحداث الأمنية والنتائج الانتخابية، بل تفترض أن التفاعل بين الأمن والسياسة أكثر تعقيداً، إذ تتداخل فيه عوامل أيديولوجية، وديموغرافية، واقتصادية، واجتماعية، ودينية، بما يجعل الانتخابات مرآةً لبنية المجتمع الاستيطاني وتحولاته، وفي الوقت نفسه أداةً لإعادة إنتاج تلك البنية وتعزيز توجهاتها.
ومن خلال تتبع هذا المسار الممتد من عام 1977 إلى عام 2026، تحاول الدراسة تقديم قراءة أوسع للتحولات التي شهدها الكيان الص.هيوني الغاصب، وكيف انعكست هذه التحولات على سياساته تجاه الفلسطينيين، وعلى طبيعة الصراع، وعلى آفاق التسوية ومستقبل المنطقة بأسرها.

Leave a Reply