بقلم : عادل أحمد محمد
بينما يستمر مسلسل التصريحات الرنانة والخطابات الحماسية التي تملأ الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي، يغرق المواطن السوداني في بحرٍ متلاطم من المعاناة اليومية التي لا تقيم لها خطابات المسؤولين وزناً. خرج وزير الثقافة والإعلام، خالد الإعيسر، ليشيد بالانتصارات في شمال كردفان مبشراً بأن الفرح سيعود إلى كل بيت، وهو حديث معسول قد يطرب الآذان البعيدة عن ساحة الواقع، لكنه لا يسد رمق جائع، ولا يستر عري مشرد، ولا يعيد طفلاً إلى مقعد دراسته.
سيعود الفرح إلى كل بيت عبارة فضفاضة تطلق من أبراج عاجية، بينما الحقيقة الماثلة على الأرض أن البيت نفسه لم يعد موجوداً بعد أن طاله النهب والتدمير، وأصبح صاحبه يفتقر لأبسط مقومات الحياة من مأوى يقيه حر الصيف وبرد الشتاء، ومستشفى يبحث فيه عن دواء، ومدرسة تتعطل فيها أجيال كاملة.
اقتصاد الجيوب الممزقة وتناقضات الحكومة
المفارقة المؤلمة لا توقف عند حدود الخطب الإنشائية، بل تمتد لتلامس عجزاً حكومياً فاضحاً في إدارة الأولويات:
وزير المالية، الذي لا يدخر جهداً في إجهاد ما تبقى من اقتصاد منهار، جاعلاً من جيب المواطن المقدود المصدر الأوحد لتمويل عجز الدولة، غير آبه بأن لقمة العيش أصبحت من المفقودات.
وزير الثروة الحيوانية، الذي يتحفنا بنظريات عجيبة عن رفع إنتاجية البقرة من أجزاء الرطل إلى أرقام خيالية، وكأن الأبقار والأنعام قد سلمت من الدمار والنزوح، في وقت يموت فيه المواطن جوعاً وقهرأ.
وزير الطرق، الذي يحدثنا عن مشاريع عملاقة لتعبيد طرق بأربع مسارات في كل اتجاه!، وكأن البلاد تعيش رفاهية البنى التحتية الدنماركية، متجاهلاً أن الطرق الوحيدة المتبقية للمواطن هي دروب النزوح والشتات والهروب من جحيم الح.رب.
أولويات مقلوبة وواقع مرير
إن الاستمرار في لغة التنظير والوعود الوردية بينما البلاد تئن تحت وطأة الانهيار الشامل هو انفصال تام عن الواقع. إن المواطن السوداني اليوم لا يعنيه كم مساراً للطريق، ولا تهمه الخطط النظرية لزيادة إنتاج اللحوم، ولا يطربه صدى الانتصارات العسكرية ما لم ينعكس ذلك أمناً واقعياً، وما لم تبدأ الدولة فوراً في:
إعادة إعمار ما تم تدميره وخلق مساكن بديلة تأوي الملايين من المشردين والنازحين.
إصلاح المنظومة الصحية والتعليمية التي توقفت تماماً وتركت المواطن فريسة للأمراض والجهل.
وقف استنزاف المواطن بسياسات ضريبية واقتصادية عمياء تزيد من فقره وتعمق جراحه.
لقد سئم الشارع السوداني لغة الشعارات والوعود المؤجلة فالوطن لا يبنى على التنظير الفضفاض، والكرامة لا تُستعاد ببيانات الفرح الوهمي بينما الإنسان السوداني يبحث عن أبسط حقوقه الإنسانية فلا يجدها.

Leave a Reply