بقلم: ماجد الغوث
كثف الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي ملامح خارطة عمل سياسية وفكرية واضحة في خطابه بمناسبة الذكرى التاسعة والسبعين لميلاد الحزب، واضعًا أمام القوى الوطنية والقومية مهمتين مركزيتين تتصلان مباشرة بقضايا النضال الوطني والقومي في هذه المرحلة التاريخية الدقيقة.
تمثلت المهمة الأولى في دعوة القوى العربية التحررية، وحزب البعث العربي الاشتراكي في مقدمتها، إلى تحمل مسؤولياتها في قيادة النضال الجماهيري لمقاومة الاحتلال الأجنبي للأرض العربية بمختلف أشكاله وتجلياته.
أما النقطة الثانية فتمثلت في انخراط هذه القوى نفسها في مسارات النضال الديمقراطي وآلياته لإحداث التغيير في بنية الدولة الوطنية، بما يلبي تطلعات الجماهير إلى حياة حرة كريمة تسودها العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص، والحوكمة الرشيدة في ظل دولة مدنية يتساوى فيها الجميع في الحقوق والواجبات تحت سيادة القانون.
غير أن قراءة هاتين النقطتين باعتبارهما فقرتين منفصلتين تظلم جوهر الخطاب، لأن المطلوب هنا ليس برنامجين متوازيين، بل رؤية متكاملة تحاول معالجة واحدة من أعقد الإشكالات التي واجهت الحركة القومية العربية لعقود طويلة، وهي: كيف يمكن أن تكون ثوريًا في مواجهة الاحتلال، وديمقراطيًا في بناء الدولة في الوقت نفسه؟
في هذا السياق لا يقدم الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي وصفة عسكرية أو خطابًا تعبويًا تقليديًا، بقدر ما يطرح رؤية شاملة لإدارة الصراع، تتجاوز مفهوم المقاومة المسلحة وحده إلى مفهوم الفعل الجماهيري المنظم باعتباره المصدر الحقيقي للقوة والتغيير.
إن الحديث عن قيادة النضال الجماهيري يعني أن الأحزاب الوطنية لم تعد قادرة على تحقيق أهدافها عبر الأطر التنظيمية المغلقة أو الأجهزة السرية وحدها، وإنما عبر تحولها إلى قوى منظمة للطاقة الشعبية ومعبرة عن تطلعات المجتمع، وهذا يقتضي بناء اللجان الشعبية في الأحياء، وتفعيل النقابات المهنية، وتوسيع دوائر المشاركة العامة، وتطوير أشكال المقاطعة الاقتصادية والاجتماعية المنظمة، بما يجعل المجتمع نفسه شريكًا مباشرًا في معركة التحرر.
لقد أثبتت تجارب عديدة أن الاحتلال لا ينهار أمام الرصاص وحده، بل أمام مجتمع موحد يمتلك الإرادة والتنظيم والقدرة على الصمود، فالقوة الحقيقية ليست فقط في امتلاك أدوات المواجهة، وإنما في القدرة على تحويل الجماهير إلى قوة تاريخية واعية وفعالة.
ومن هنا تبرز محاولة الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي لإعادة تعريف مفهوم الاحتلال نفسه، فالاحتلال لم يعد مجرد وجود عسكري مباشر على الأرض، وإنما أصبح منظومة متكاملة تشمل الحصار الاقتصادي، والاستيطان، والهيمنة الثقافية، والانحيازات القانونية والسياسية التي تفرضها موازين القوى الدولية.
لذلك لم يحصر الخطاب المقاومة في بعدها العسكري، بل وسعها لتشمل المقاومة القانونية عبر ملاحقة مجرمي الحرب أمام المحاكم الدولية، والمقاومة الاقتصادية من خلال المقاطعة وبناء البدائل الوطنية، والمقاومة الثقافية والإعلامية عبر تفكيك الرواية الاستعمارية وكشف تناقضاتها وإبراز الحقائق أمام الرأي العام العالمي.
وعندما يدعو الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي القوى التحررية إلى تحمل مسؤولياتها، فإنه يوجّه في الوقت نفسه رسالة مراجعة ونقد ضمني، فالدعوة تحمل اعترافًا بأن هناك تقصيرًا تاريخيًا أصاب بعض القوى السياسية التي انشغلت بالصراعات الداخلية أو الحسابات التنظيمية الضيقة على حساب الحضور المباشر وسط الجماهير.
إن الرسالة هنا واضحة: إما أن تعود الأحزاب إلى قيادة النضال الشعبي الحقيقي، وإما أن تفقد دورها التاريخي لصالح قوى أخرى أكثر التصاقًا بالناس وأكثر قدرة على التعبير عن تطلعاتهم.
أما المحور الثاني من الخطاب، والمتعلق بالنضال الديمقراطي والدولة المدنية، فيمثل أحد أكثر جوانبه جرأة وعمقًا، لأنه يلامس إشكالية ظلت حاضرة في التجارب القومية والتحررية العربية، وهي العلاقة بين التحرير والديمقراطية.
فالخطاب يطرح فكرة جوهرية مفادها أن مقاومة الاحتلال لا تمنح أي قوة سياسية حق تجاوز الديمقراطية أو احتكار السلطة، بل إن الديمقراطية نفسها تصبح شرطًا من شروط نجاح مشروع التحرر الوطني.
ولعل هذه الفكرة تمثل خروجًا على كثير من المقولات التقليدية التي كانت تبرر تأجيل الديمقراطية بحجة أولوية المعركة الوطنية. فالأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي يطرح معادلة مختلفة ترى أن الديمقراطية ليست مرحلة لاحقة للتحرير، وإنما جزء من عملية التحرير نفسها.
ولهذا فإن الانخراط في النضال الديمقراطي يعني قبول التداول السلمي للسلطة، واحترام التعددية السياسية، وتطوير الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب والتنظيمات، والانفتاح على الشراكات الوطنية مع مختلف القوى المدنية، بعيدًا عن منطق الاحتكار أو الوصاية السياسية.
كما أن الحديث عن الدولة المدنية التي يتساوى فيها الجميع تحت سقف القانون يحمل دلالات عميقة، فهو يمثل قطيعة مع الدولة البوليسية من جهة، ومع الدولة الطائفية أو المذهبية من جهة أخرى، إذ لا يمكن لأي مشروع قومي حديث أن ينجح إذا قام على التمييز بين المواطنين أو يمنح الامتيازات على أساس الانتماءات الضيقة.
وفي هذا الإطار يكتسب مفهوم الحوكمة أهمية خاصة، لأنه يعني ببساطة أن لا أحد فوق المساءلة أو المحاسبة، وأن شرعية أي مسؤول أو قائد تستند إلى القانون والمؤسسات، لا إلى النفوذ أو التاريخ النضالي وحده.
كما يعكس الخطاب محاولة إعادة بناء العلاقة بين الحرية والعدالة الاجتماعية باعتبارهما ركيزتين متكاملتين، فالعدالة من دون الحرية تتحول إلى وصاية، والحرية من دون عدالة تتحول إلى امتيازات تحتكرها النخب وتُقصى عنها الفئات الضعيفة.
ومن هنا يمكن فهم العمق الحقيقي للخطاب، إذ إنه يربط بين شرعية المقاومة وقدرة القوى السياسية على تقديم بديل ديمقراطي قابل للحياة، فإذا كانت الجماهير مطالبة بالتضحية ومقاومة الاحتلال، فإن من حقها أيضًا أن تعرف شكل الدولة التي ستقوم بعد التحرير، وأن تطمئن إلى أن تضحياتها ستفضي إلى نظام أكثر عدلًا وحرية وكرامة.
لذلك لا يكفي أن ترفع الأحزاب الشعارات الكبرى، بل يجب أن تقدم رؤية واضحة وسياسات عملية في مجالات التعليم والصحة والاقتصاد والقضاء والإدارة العامة والتنمية المستدامة، فالجماهير لم تعد تكتفي بالشعارات، وإنما تبحث عن مشروع متكامل للدولة والمجتمع.
وثمة بعد آخر لا يقل أهمية يتمثل في اعتبار الديمقراطية نفسها أداة من أدوات مقاومة الاحتلال، فالاحتلال يزدهر في البيئات المنقسمة والمستبدة، بينما تستطيع المجتمعات الديمقراطية أن تعبئ مواردها بصورة أفضل، وأن تحاسب قياداتها، وأن تحافظ على وحدتها الوطنية، وأن تمنع القوى الخارجية من استغلال الانقسامات الداخلية.
ومن هذه الزاوية يبدو الخطاب وكأنه يسعى إلى إعادة تعريف المفاهيم القومية التقليدية بلغة العصر، فالوحدة لم تعد مجرد وحدة جغرافية بين الأقطار العربية، بل أصبحت وحدة الجماهير حول مشروع حضاري وديمقراطي مشترك، والحرية لم تعد تعني التحرر من الاحتلال فقط، بل تشمل أيضًا حرية التعبير والتنظيم والمشاركة السياسية، أما الاشتراكية فلم تعد تختزل في التأميم أو الإدارة المركزية للاقتصاد، وإنما تطرح بوصفها مشروعًا للعدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص وحماية الفئات المنتجة في إطار دولة القانون والمؤسسات.
بل يمكن القول إن الخطاب يتجاوز مجرد الدفاع عن المبادئ التقليدية للحزب إلى محاولة تجديدها وإعادة مواءمتها مع متطلبات القرن الحادي والعشرين، فهو يستجيب لتحولات عميقة طرأت على وعي الجماهير العربية التي ما عادت تفصل بين التحرر الوطني والحقوق الديمقراطية، ولا بين العدالة الاجتماعية والحريات العامة.
إن الجماهير تدرك أن الاحتلال عدو، لكنها لا تمنح ثقتها تلقائيًا لأي قوة ترفع شعار مقاومته إذا كانت تمارس الإقصاء أو الاستبداد، أو تعجز عن تقديم نموذج مختلف في إدارة الشأن العام.
ولهذا فإن الحل الذي يطرحه الأمين العام لحزب البعث العربي الاشتراكي يقوم على معادلة واضحة: امنحوا الجماهير ديمقراطية حقيقية وعدالة اجتماعية ومشاركة فعالة في صنع القرار، وستمنحكم الجماهير الشرعية والقوة اللازمة لخوض معارك التحرر الوطني والقومي.
وفي تقديري، فإن أهمية هذا الخطاب لا تكمن في مضمونه السياسي المباشر، وإنما في محاولته بناء جسر بين مشروع المقاومة ومشروع الدولة، وبين التحرير والديمقراطية، وبين العدالة والحرية، وهي ثنائيات ظلت في كثير من الأحيان تُطرح باعتبارها متعارضة، بينما يقدمها الخطاب باعتبارها عناصر متكاملة في مشروع نهضوي واحد.
إن المقاومة تمنح الأمة كرامتها وسيادتها، لكن الديمقراطية وحدها هي التي تمنحها القدرة على بناء مستقبلها وصيانة مكتسباتها، ومن هنا تبرز أهمية الرؤية بوصفها محاولة لتأسيس مشروع قومي معاصر يربط بين التحرير والعدالة والديمقراطية في إطار واحد، ويعيد الاعتبار للجماهير باعتبارها المصدر الحقيقي للشرعية وصاحبة المصلحة.

Leave a Reply