محمد الأمين أبوزيد
أثارت عبارة(المواطن هو سبب الحرب لأنه حارب الله)التي أطلقها أحد فقهاء السلطان جدلًا كثيفًا منطلقًا من نواحي عديدة البعض منها يحاجج بأسس دينية مستندًا على ذات منطق الشيخ والبعض الآخر منطلقًا من نواحي منطقية وعملية.
هذه العبارة هي تفسير وعظي وديني يعبر عن رؤية الشيخ وليست حقيقة يمكن التحقق أو جعلها خاضعة للعقل البرهاني، وهي ليست محل إجماع فهناك علماء يرون أن المسؤولية الأساسية تقع على الأطراف التي اتخذت قرار الق.تال أو أسهمت في إشعال الصراع أو ساندت أحد طرفيه.
العبارة مثار الجدل ليست حقيقة موضوعية بل هي رأي أو خطاب يعتمد على تفسير ديني أو أيدلوجي يفسر الح.رب على أنها عقاب إلاهي بسبب انتشار الظلم أو المعاصي في المجتمع.
إنها محاولة لتحميل عامة الناس مسؤولية مايحدث بدلًا من تحميلها للقيادات السياسية أو الأطراف المسلحة أو العوامل الاقتصادية والاجتماعية.
من منظور تحليل النزاعات، فإن الح.روب عادة تنشأ نتيجة عوامل متعددة، مثل الصراع على السلطة، والخلافات السياسية، والتوترات الاجتماعية أو الاقتصادية والتدخلات الخارجية.
التفسير الديني للح.رب هو النظر إليها من زاوية العلاقة بين الإنسان والله، وليس فقط من زاوية السياسة أو القوة العسكرية،
لايمكن الجزم بأن ح.ربًا بعينها هي عقوبة إلاهية وبالنسبة للح.رب في السودان فإن أسبابها المباشرة سياسية وعسكرية واقتصادية تتعلق بالصراع على السلطة والثروة. يجوز للمسلم أن يتعظ بالح.رب ويدعو إلى التوبة والإصلاح، ومن جانب آخر يدعو للسلام وحفظ النفس وحقن الدماء لاسفكها. كما لايجوز الجزم بأن الله أنزل حربًا معينة عقوبة بسبب ذنب معين أو على شعب بعينه دون دليل. هذا التفريق مهم لأنه يميز بين العبرة الدينية وبين الادعاء بمعرفة حكم الله في واقعة معينة.
إن العقوبة الدنيوية العامة للأمم قد قطعت بنزول القرآن الذي قرر مبدأ المسؤولية الفردية بوضوح وهذا يعني أن الجزاء في الآخرة فردي فلايحاسب أحد على ذنب غيره فكل إنسان حسابه عند الله بحسب نيته وعمله.لهذا حذر كثير من العلماء من الجزم بأن حربًا أو كارثة معينة هي عقوبة إلاهية بسبب ذنب معين.
وفق التفسير الذي عبر عنه صاحب العبارة هل يمكن تفسير الح.رب في غزة بأنها غضب أحل بالفلسطينيين بسبب معاصيهم؟ وبذات المنطق هل يمكن تفسير الح.رب الأمريكية الإيرانية ؟ أو الح.رب في العراق وأفغانستان ولبنان واليمن وليبيا….الخ
من المنظور الإسلامي الدنيا ليست دار الجزاء النهائي، أما الحساب الكامل والعادل فهو يوم القيامة حيث لايظلم أحد.
من المعلوم بداهة أن المسؤولية تتحدد من الأعلى إلى الأدنى فكلما كانت درجة المسؤول أعلى تكون مسؤوليته أكبر.
فالوزير مسؤوليته أكبر من الموظف والعامل حسب التسلسل، والقائد العام مسؤوليته أكبر من الضابط والجندي في سلم التراتبية..
يظل السؤال قائمًا هل إلقاء المسؤولية على عوام الناس برغم اختلاف درجاتهم حتى في الذنب والمعصية هي هروب من تحديد المسؤولية؟
من الممكن حشد الكثير من الآيات والأحاديث التي تناقض هذا المنهج ولكن لانود الدخول في هكذا تأويل، بل نميل إلى التفسير المنطقي والعقلاني استنادًا إلى تعظيم الدين نفسه للعقل.
هنا تحضرني مقولة الصحابي سلمان الفارسي في غزوة بدر عندما نزل بجيشه في موضع معين:
يارسول الله،أرأيت هذا المنزل، أمنزل أنزله الله ليس لنا أن نتقدمه ولانتأخر عنه، أم هو الرأي والح.رب والمكيدة؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلّم: بل هو الرأي والح.رب والمكيدة.
هذه القصة تؤكد بأن النبي(ص) كان يفرق بين الوحي الذي لامجال للاجتهاد فيه وبين التدبير العسكري والإداري الذي يقبل المشورة والاجتهاد.

Leave a Reply