السياسة تصنع السلطة… والثقافة تصنع المستقبل

صحيفة الهدف

زكريا نمر

كلما دخلت دولة في أزمة سياسية، اتجهت الأنظار إلى القصر الرئاسي، أو البرلمان، أو طاولة المفاوضات، وكأن مستقبل الأوطان يتحدد داخل تلك الغرف وحدها. لكن ما يحدث هناك ليس سوى النتيجة الأخيرة لسلسلة طويلة من الإخفاقات بدأت في مكان آخر؛ في المدرسة التي لم تعلم التفكير، وفي الجامعة التي فقدت دورها، وفي الإعلام الذي استبدل المعرفة بالإثارة، وفي الثقافة التي جرى التعامل معها كأنها ترف يمكن الاستغناء عنه.

لهذا السبب تبدو السياسة في كثير من الدول وكأنها تدور في حلقة مغلقة. الوجوه تتغير، والحكومات تتبدل، والاتفاقيات توقَّع، لكن الأزمات تبقى. والسبب أن الجميع منشغل بإدارة السلطة، بينما لا أحد يعمل على بناء المجتمع الذي يمنح تلك السلطة معناها.

السياسي لا يولد في البرلمان، بل يتشكل قبل ذلك بسنوات. يتشكل في الأسرة، وفي المدرسة، وفي الجامعة، وبين الكتب التي قرأها أو لم يقرأها. لذلك فإن الحديث عن إصلاح سياسي من دون إصلاح ثقافي يشبه محاولة بناء سقف جديد فوق منزل تتآكل أساساته.

هذه ليست دعوة إلى تحويل الثقافة إلى وزارة أكثر نشاطاً، ولا إلى زيادة عدد المهرجانات والاحتفالات. الثقافة ليست حفلاً سنوياً ولا معرضاً للكتاب ينتهي بانتهاء أيامه. الثقافة هي الطريقة التي يفكر بها المجتمع، والطريقة التي ينظر بها إلى القانون، وإلى الاختلاف، وإلى الدولة، وإلى المستقبل. وعندما يختل هذا الوعي، تصبح السياسة مجرد انعكاس لذلك الخلل.

تجربة كثير من الدول تؤكد أن المؤسسات لا تحمي نفسها بنفسها. الدساتير لا تدافع عن نفسها، والقوانين لا تنفذ نفسها، والانتخابات لا تضمن الديمقراطية. الذي يحمي كل ذلك هو المواطن الذي يؤمن بقيم الدولة ويحترمها. وإذا غاب هذا المواطن، فلن تنقذ النصوص القانونية أي نظام سياسي.

في جنوب السودان، تبدو هذه المسألة أكثر إلحاحاً. فمنذ الاستقلال، انصب معظم الجهد على تقاسم السلطة وإدارة الصراعات، بينما بقي بناء الإنسان خارج الأولويات. لم يتحول التعليم إلى مشروع وطني، ولم تصبح الثقافة جزءاً من رؤية الدولة، بل ظلت الملفات الأمنية والسياسية تبتلع كل شيء، حتى أصبح الحديث عن الكتاب أو المسرح أو البحث العلمي يبدو وكأنه حديث عن قضايا ثانوية، رغم أنها الأساس الذي تقوم عليه أي دولة مستقرة.

ولهذا لا يكفي أن نطالب بإصلاح الحكومة، لأن الحكومة نفسها هي نتاج المجتمع. فإذا كان المجتمع منقسماً، وسهل الانقياد، وضعيف الثقة بالمؤسسات، فسوف يعيد إنتاج الأزمة مهما تغيرت الوجوه. تغيير الأشخاص لا يغير طريقة التفكير، وما لم تتغير طريقة التفكير، ستعود الأزمة بأسماء جديدة.

المفارقة أن كثيراً من الأنظمة تخشى المثقف أكثر مما تخشى الفاسد. الفاسد يمكن التفاهم معه، أما المثقف فيطرح أسئلة لا يمكن إسكاتها بسهولة. ولهذا يجري تهميش الثقافة كلما ضاق المجال العام، لأن الكلمة الحرة تزعج أكثر مما تزعجها المعارضة التقليدية.

لكن الثقافة أيضاً مطالبة بمراجعة نفسها. فليس كل من يحمل لقب مثقف يؤدي دوره. بعض المثقفين تحولوا إلى موظفين لدى السلطة، وبعضهم اكتفى بمراقبة الانهيار من بعيد، وكأن مسؤولية الكاتب تنتهي عند كتابة المقال. الثقافة التي لا تلامس مشكلات الناس تتحول إلى نشاط نخبوي، وتفقد قدرتها على التأثير.

إن بناء الدولة لا يبدأ عند تشكيل الحكومة، بل عند تشكيل العقل. فالدول التي استثمرت في التعليم والبحث العلمي لم تصل إلى الاستقرار بالمصادفة، وإنما لأنها أدركت أن الإنسان هو المؤسسة الأولى، وأن كل مؤسسة أخرى ليست سوى امتداد له.

من يعتقد أن الثقافة ترف، عليه أن ينظر إلى الدول التي مزقتها الـح.روب والانقسامات. سيكتشف أن السلاح كان بداية الانهيار، لكن غياب الوعي هو الذي جعل الانهيار يستمر. فالرصاص ينهي حياة إنسان، أما الجهل فينهي مستقبل أمة كاملة.

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل حديث عن الإصلاح ليس: من سيحكم؟ بل: أي مواطن نريد أن تصنعه هذه الدولة؟ لأن الإجابة عن هذا السؤال هي التي تحدد شكل السياسة، ونوعية المؤسسات، ومستقبل الوطن كله.

#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.