100 جمعة.. و100 ملف، ورحلة الثقافة ما تزال مستمرة

صحيفة الهدف

 ماجد الغوث

اليوم نطوي الصفحة المائة من الملف الثقافي، لكننا لا نصل إلى نهاية الطريق، بل إلى محطة تؤكد أن الرحلة التي بدأناها قبل مائة أسبوع ما تزال تمضي بثبات، وأن الحكاية السودانية ما زالت تستحق أن تُروى.

هذه الجمعة مختلفة؛ فهي ليست مجرد موعد أسبوعي جديد، بل لحظة نتوقف فيها لننظر إلى الوراء بفخر، وإلى الأمام بثقة. مائة عددٍ مضت، ومائة جمعة حملت بين صفحاتها حكايات الناس، وذاكرة المكان، وملامح الهوية التي شكلت وجدان السودانيين.

100 مرة، صحونا مبكرًا لنلحق الكيبورد قبل انقطاع الكهرباء.

100 مرة، اختلفنا حول العنوان الأنسب.

100 مرة، قلنا: هذا موضوع يستحق أن يقرأه الناس.

100 مرة، كنتم أنتم الشريك الحقيقي في هذه الرحلة؛ قرأتم، وناقشتم، واختلفتم معنا أحيانًا، ووافقتمونا أحيانًا أخرى، فصنعتم معنا نجاح هذه التجربة.

إن الرقم 100 في عرفنا ليس مجرد تتابعٍ عددي، بل هو تجلٍ لفكرة التراكم؛ تراكم الجهد، وتراكم الوعي، وتراكم الأثر. فالمشروعات الثقافية لا تُقاس بعدد صفحاتها، وإنما بما تتركه في وجدان الناس. ولقد آمنا منذ العدد الأول بأن الحقيقة ليست في الوصول إلى محطة معينة، بل في تفاصيل الطريق، وأن كل ملف نصدره هو حجر جديد نضيفه إلى صرح الذاكرة الوطنية، لنقيم به سدًا في وجه النسيان.

ولكن، ماذا نقول عن هذه المائة؟

لقد مرت 100 جمعة والسودان يعيش واحدة من أصعب فترات تاريخه الحديث. مائة جمعة كان الوطن خلالها يكتب فصولًا موجعة من الألم، وتتشظى مدنه تحت وطأة الـح.رب، وتغادر الأسر بيوتها، ويجد ملايين السودانيين أنفسهم بين نزوحٍ ولجوءٍ وغيابٍ قسري عن تفاصيل حياتهم التي ألفوها. كانت المأساة أكبر من أن تختصرها الأخبار، وأعمق من أن تحيط بها الصور.

ومع ذلك، لم نستسلم للصمت.

كتبنا لأننا نؤمن أن الكلمة الصادقة شكلٌ من أشكال المقاومة، وأن الثقافة ليست رفاهية تؤجل إلى ما بعد الأزمات، بل هي إحدى وسائل حماية الإنسان من الانكسار. ففي اللحظات التي تتعثر فيها السياسة، وتعلو فيها أصوات البنادق، تبقى الثقافة هي اللغة التي تذكر الناس بمن هم، وما الذي يجمعهم، ولماذا يستحق هذا الوطن أن ينهض من جديد.

لقد كتبنا هذه المائة عدد، لا لنهرب من الواقع، بل لنواجهه من زاوية أخرى؛ زاوية الإنسان السوداني الذي ظل، رغم كل ما أصابه، محتفظًا بابتسامته، وكرمه، وحكمته، وإيمانه بأن الغد سيكون أفضل. كتبنا لأننا أردنا أن تبقى هذه الصفحات شهادةً للأجيال القادمة على أن السودان لم يكن يومًا مجرد ساحة صراع، بل وطنًا زاخرًا بالحضارة والثقافة والإبداع.

في زمنٍ أصبحت فيه الأخبار تركض بلا توقف، اخترنا أن نتأنى. اخترنا أن يكون لكل جمعة موعد مع التأمل، وأن نقول لقارئنا: توقف قليلًا… وتعال نحكي عن أنفسنا.

كنا نتحدث عن (نحن)، عن الثقافة الاجتماعية التي تحفظ ذاكرتنا، وتحمل في أعماقها هويتنا السودانية العربية والإسلامية. حكينا عن الجدة التي تروي الحكايات في الليالي، وعن الدوبيت في البادية، وعن رائحة البخور في الأعراس، وعن تفاصيل صغيرة تبدو عادية، لكنها في حقيقتها تشكل ملامح الشخصية السودانية.

توقفنا عند العادات التي تجمع الأسر، وعند الأمثال التي تختصر حكمة الأجيال، وعند الأغنيات التي رافقت أفراحنا وأحزاننا، وعند الأسواق القديمة، والمقاهي الشعبية، والخلاوي، والمساجد، والأندية، وكل تلك الأماكن التي صنعت الوجدان السوداني عبر عقود طويلة.

وتساءلنا مرارًا: كيف استطاع السودان بكل هذا التنوع، أن يصنع شخصية متفردة؟ وكيف تعايشت فيه الثقافات واللهجات والأعراق، لتنتج نموذجًا إنسانيًا يقوم على التسامح، والتكافل، واحترام الآخر؟ لم تكن إجاباتنا ادعاءً بامتلاك الحقيقة، وإنما كانت دعوةً إلى التفكير، وإلى إعادة اكتشاف أنفسنا بعيدًا عن ضجيج السياسة واستقطاب اللحظة.

لم يكن الملف الثقافي مجرد صفحات تُقرأ ثم تُطوى، بل أصبح، بفضل قرائه، مساحةً للحوار، ونافذةً للتأمل، وجسرًا يصل الماضي بالحاضر. وكانت رسائلكم وتعليقاتكم واقتراحاتكم هي الوقود الذي أبقى هذه الرحلة مستمرة، حتى صار لكل يوم جمعة موعد ينتظره كثيرون، كما ينتظرون لقاء صديق قديم.

ولأن الثقافة فعلُ بناءٍ لا فعلُ ترف، فقد سعينا إلى أن يكون كل عدد لبنةً في مشروعٍ أكبر؛ مشروع استعادة الثقة بالإنسان السوداني، وترسيخ الإيمان بأن الأمم التي تحفظ ذاكرتها قادرة على أن تبني مستقبلها، مهما اشتدت العواصف.

إننا لا نزعم أننا أحطنا بكل جوانب الثقافة السودانية، ولا أننا كتبنا كل ما ينبغي أن يُكتب، فما زال في السودان آلاف الحكايات، ومئات الشخصيات، وعشرات الكنوز الفكرية والتراثية التي تنتظر من يزيح عنها غبار النسيان. ولذلك فإن العدد المائة لا يمثل اكتمال المهمة، وإنما يضاعف مسؤوليتنا تجاهها.

اليوم، ونحن نحتفل بهذه المحطة، فإننا نتوجه بالشكر لكل قلم كتب بإخلاص، ولكل مصور التقط صورةً تحفظ ذاكرة المكان، ولكل مصمم منح الفكرة روحها البصرية، ولكل من عمل في صمت حتى يصل هذا الملف إلى القارئ، والأهم من ذلك كله، لكل قارئ آمن بأن الثقافة تستحق أن يكون لها مكان في حياته، رغم كل ما يحيط به من هموم.

العدد المائة ليس نهاية الرحلة، بل بدايتها الجديدة.

سنواصل الكتابة، لأن السودان ما زال يملك ما يستحق أن يُكتب عنه. سنواصل البحث في ذاكرة الناس، وفي تراث القرى والمدن، وفي سير المبدعين والعلماء، وفي كل ما يعزز انتماءنا لهذا الوطن ويقوي إيماننا بمستقبله.

فما دام في السودان تاريخ يُروى، وتراث يُصان، وإنسان يصنع الجمال رغم الألم، فسيبقى الملف الثقافي شاهدًا على هذا الوطن، وحارسًا لذاكرته، ومنبرًا يؤمن بأن الكلمة الصادقة قادرة على أن تهزم النسيان، وأن تبقي الأمل حيًا في النفوس.

فالرحلة مستمرة… وما زالت أمامنا مائة جمعة أخرى، ومائة حكاية أخرى، ووطن يستحق أن نكتب له، وأن نكتب عنه، وأن نكتب من أجله.

#ملف_الهدف_الثقافي #العدد_المائة #ثقافة #إبداع #صنّاع_الذاكرة

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.