تحولات النظام الدولي وموقع الأمة العربية بين مشاريع الهيمنة وطريق النهوض القومي
سلسلة قراءات تحليلية في التقرير السياسي للمؤتمر القومي الثالث عشر – 1
إعداد: لجنة الدراسات الاستراتيجية
لم يعد السؤال عن نهاية الأحادية الأمريكية شأناً نظرياً يخص مراكز الدراسات أو دوائر صنع القرار في العواصم الكبرى، بل أصبح سؤالاً مصيرياً يتصل مباشرة بمستقبل الأمة العربية: بأمنها وثرواتها ووحدتها، وبقدرتها على استعادة قرارها المستقل، والخروج من موقع الساحة المفتوحة لمشاريع الآخرين إلى موقع القوة الفاعلة في صناعة التاريخ.
لقد دخل العالم طوراً جديداً من التحولات الدولية المتسارعة. تتراجع فيه قدرة الولايات المتحدة على احتكار القرار العالمي، وتصعد قوى دولية كالصين وروسيا والهند، وتتقدم تجمعات مثل «بريكس»، بينما تحتدم المنافسة على الطاقة والممرات البحرية والأسواق والتكنولوجيا ومناطق النفوذ. لكن هذا التحول لا يعني بالضرورة ولادة عالم أكثر عدلاً، ولا يحمل بصورة تلقائية بشائر التحرر للأمة العربية. فقد تنتقل البشرية من هيمنة قطب واحد إلى صراع أقطاب متعددة، بينما يبقى الوطن العربي ميداناً لتصفية الحسابات، وتظل ثرواته وأرضه وممراته موضع استهداف واستباحة.
وهنا تكمن القضية المركزية: ليست المشكلة العربية في أن العالم أحادي أو متعدد الأقطاب فحسب، بل في أن الأمة العربية تدخل هذه التحولات وهي تعاني انكشافاً قومياً بالغ الخطورة، في ظل تعثر وتفكك الدولة القطرية، وعجز النظام الإقليمي العربي، وتكاثر الاختراقات الدولية والإقليمية. وهذا هو جوهر التشخيص الذي ينطلق منه التقرير السياسي، حين يربط بين انكشاف المجال القومي وبين تزاحم المشاريع الدولية والإيرانية والتركية على أرض الوطن العربي.
من انهيار التوازن الدولي إلى انفلات الهيمنة الأمريكية
أدى انهيار الاتحاد السوفيتي إلى اختلال تاريخي في موازين القوى الدولية. فقد وجدت الولايات المتحدة نفسها، للمرة الأولى منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، بلا قوة دولية كبرى تردعها أو توازنها. ومنذ ذلك الحين اندفعت الإمبريالية الأمريكية إلى فرض نظام عالمي يقوم على التفرد، وتوظيف المؤسسات الدولية، والأحلاف العسكرية، والعقوبات الاقتصادية، والهيمنة المالية والتكنولوجية، لخدمة مصالحها ومصالح المشروع الص.هيوني.
وكان الوطن العربي في مقدمة ميادين هذا الاستهداف.
فمن تدمير العراق وحصاره ثم احتلاله، إلى استباحة سورية، ودعم الكيان الص.هيوني في ح.روبه المتواصلة على فلسطين ولبنان، إلى فصل جنوب السودان وإشغاله وإشعال اليمن وليبيا بعد استباحتهما بحروب أهلية استنزافية أدت إلى تشكيل حكومتين في كلا هذين القطرين وتهدد بتمزيقهما إلى دويلات طائفية أو جهوية، في كل هذه المؤامرات لم تكن السياسة الأمريكية تتحرك بوصفها وسيطاً أو حامياً للاستقرار، بل بوصفها قوة إمبريالية تسعى إلى منع قيام كتلة عربية مستقلة، وتفكيك مراكز القوة، والسيطرة على النفط والغاز والممرات البحرية، وإدماج الكيان الص.هيوني في المنطقة بوصفه مركزاً متقدماً للهيمنة الغربية.
لم يكن احتلال العراق خطأً عابراً في السياسة الأمريكية، بل كان تعبيراً مكثفاً عن طبيعة المشروع الإمبريالي. فقد دُمّرت دولة عربية مركزية، وفُكك جيشها ومؤسساتها، وفُتح نسيجها الوطني أمام المحاصصة الطائفية والتدخلات الإقليمية. ومن رحم الاحتلال الأمريكي تمدد النفوذ الإيراني، وتحوّل العراق من أحد مراكز الفعل العربي إلى ساحة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإيرانية، على حساب هويته العربية ووحدته وسيادته.
وهذه الحقيقة تكشف أن المشاريع المتنافسة قد تتصارع في بعض المراحل، لكنها تلتقي موضوعياً عند إضعاف النسيج العربي وملء فراغه. فالولايات المتحدة أزالت الحاجز العربي في العراق، وإيران دخلت من بوابة الاحتلال لتوسيع نفوذها، بينما تحمل الشعب العراقي والأمة العربية نتائج هذا التواطؤ الموضوعي بين الاحتلال والانقسام والاستتباع.
تراجع أمريكي لا يعني نهاية الخطر الإمبريالي
لقد تراجعت قدرة الولايات المتحدة على فرض إرادتها بالصورة التي عرفها العالم في تسعينيات القرن الماضي. فقد أثبتت ح.روب العراق وأفغانستان أن التفوق العسكري لا يكفي لصنع انتصار سياسي، وأن الجيوش تستطيع احتلال الأرض لكنها لا تستطيع إخضاع إرادة الشعوب إلى ما لا نهاية.
كما كشفت الأزمة المالية العالمية عام 2008 هشاشة النموذج الرأسمالي الذي قدمته واشنطن باعتباره نهاية التطور الإنساني. وبدأ صعود الصين، واستعادة روسيا لدورها، واتساع وزن دول الجنوب، يضع حداً للاحتكار الأمريكي المطلق.
لكن الحديث عن نهاية الأحادية لا ينبغي أن يتحول إلى استهانة بالقوة الأمريكية. فالولايات المتحدة ما تزال تمتلك أكبر شبكة تحالفات وقواعد عسكرية، وتتحكم بدرجات واسعة في النظام المالي العالمي، وتستخدم الدولار والعقوبات والتكنولوجيا والإعلام أدوات للضغط والإخضاع.
إنها قوة تتراجع نسبياً، لكنها لا تنسحب طوعاً من مواقع الهيمنة. بل إن القوى الإمبريالية تصبح في مراحل التراجع أكثر ميلاً إلى استخدام العنف، خشية فقدان امتيازاتها. ومن هنا فإن مرحلة الانتقال الدولي قد تكون أشد خطراً على الوطن العربي من مرحلة الاستقرار الأحادي، لأنها تجمع بين عدوانية القوة المتراجعة وطموحات القوى الصاعدة والمشاريع الإقليمية المتوثبة.
الحرب الأمريكية–الإيرانية: صراع على أرض العرب وبأثمان عربية
جاءت الح.رب الأمريكية–الإيرانية لتكشف بصورة صارخة طبيعة المأزق العربي. فالولايات المتحدة والكيان الص.هيوني شنّتا الح.رب انطلاقاً من أهدافهما الاستراتيجية: حماية التفوق الص.هيوني، وإعادة فرض الردع الأمريكي، والتحكم بمستقبل الخليج والطاقة والممرات البحرية. وفي المقابل، تعاملت إيران مع المنطقة من منطلق مشروعها القومي الخاص، مستخدمة نفوذها وأذرعها الإقليمية وقدرتها على تهديد دول الخليج العربي والملاحة والمنشآت الحيوية باعتبارها أوراق قوة في صراعها مع واشنطن.
إن الموقف القومي العربي لا يمكن أن يصطف خلف العدوان الأمريكي، ولا أن يمنح المشروع الإيراني صكاً مفتوحاً باسم مقاومة الولايات المتحدة.
فرفض الإمبريالية الأمريكية لا يعني القبول بتحويل العواصم العربية إلى أوراق تفاوض في يد طهران، ولا يبرر استهداف الأرض العربية أو التدخل في شؤونها أو بناء الولاءات العابرة للدولة الوطنية والقومية. كما أن رفض المشروع الإيراني لا يمكن أن يقود إلى الاستقواء بالولايات المتحدة أو الكيان الصه.يوني، لأن من يستدعي القوة الأجنبية لحمايته من مشروع إقليمي يفتح وطنه أمام المشروع الإمبريالي والص.هيوني الأخطر.
المصلحة القومية العربية لا تقع بين خندقين: أمريكي وإيراني. إنها خندق مستقل، عنوانه حماية الأرض العربية والسيادة العربية والأمن القومي العربي.
فلسطين معيار النظام الدولي ومركز الصراع القومي
لا يمكن فهم النظام الدولي الراهن بعيداً عن فلسطين. فالقضية الفلسطينية ليست بنداً بين بنود السياسة العربية، بل هي التعبير الأكثر وضوحاً عن وحدة المصير القومي، والمعيار الذي يكشف زيف النظام الدولي وانحيازه.
لقد وفرت الولايات المتحدة للكيان الصهيوني السلاح والمال والغطاء السياسي، وعطلت كل محاولة لمحاسبته، وعملت على دمجه في المنطقة عبر مشاريع التطبيع والتحالف الأمني والاقتصادي. ولم يعد المشروع الصهيوني يستهدف احتلال فلسطين وحدها، بل يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة كلها، وتفكيك هويتها العربية، وربط أمنها واقتصادها وتكنولوجيتها بمركز إس.رائيلي مدعوم أمريكياً.
ويبين التقرير السياسي أن تراجع الحضور السياسي للقضية الفلسطينية ارتبط بتحول النظام الدولي، وتبدل النظام العربي بعد اتفاقيات التسوية واحتلال العراق، ثم موجة التطبيع التي فتحت ثغرة واسعة في جدار الموقف العربي.
ومن هنا فإن أي حديث عن نظام عالمي جديد لا يضع تحرير فلسطين وإنهاء المشروع الاستعماري الصهيوني في مركزه يبقى حديثاً ناقصاً. فقد يتراجع النفوذ الأمريكي وتصعد الصين أو روسيا، لكن ذلك لا يضمن الحق الفلسطيني تلقائياً. لا تُحرر فلسطين بتبدل الأقطاب وحده، بل بإعادة بناء القوة العربية، ودعم المقاومة، وإسقاط منطق التطبيع، واستعادة القضية إلى موقعها الطبيعي قضيةً قومية مركزية.
خطر التحولات العالمية على الأمة العربية
يخطئ من يتصور أن تعدد الأقطاب سيمنح العرب فرصاً مجانية. فالقوى الكبرى لا تقدم الهدايا، بل تبحث عن الأسواق والموارد والمواقع والنفوذ. والصين تنطلق من مصالحها، وروسيا من مصالحها، كما تفعل الولايات المتحدة. وإذا لم يحدد العرب مصالحهم ويبنوا أدوات حمايتها، فسيجدون أنفسهم تابعين في نظام متعدد الأقطاب كما كانوا تابعين في النظام الأحادي.
وقد تتحول منطقتنا إلى مسرح لثلاثة مستويات متداخلة من الصراع:
أولها صراع دولي بين الولايات المتحدة والصين وروسيا على الطاقة والممرات والمواقع الاستراتيجية.
وثانيها صراع إقليمي تقوده مشاريع الكيان الص.هيوني وإيران وتركيا لملء الفراغ العربي.
وثالثها صراعات داخلية تغذيها الانقسامات الطائفية والإثنية والجهوية، وتستثمرها القوى الخارجية لإضعاف الدولة والمجتمع.
وهذا هو معنى الاستهداف الشامل للوطن العربي: ألا تبقى للأمة إرادة واحدة، ولا أمن واحد، ولا سوق واحدة، ولا قضية مركزية واحدة؛ بل أن تتحول إلى وحدات قطرية متنازعة، تستمد كل واحدة أمنها من قوة خارجية، وتبحث عن حمايتها في واشنطن أو طهران أو أنقرة، بدلاً من أن تجدها في عمقها العربي.
الأمة أمام لحظة تاريخية
إن الأحادية الأمريكية تتآكل، لكن الهيمنة لم تسقط. والنظام العالمي يتغير، لكن البديل لم يتبلور. والمشاريع الإقليمية تتقدم، لأن المشروع العربي يتراجع. وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن تواجهها الأمة بلا أوهام.
لا يكفي أن تضعف الولايات المتحدة إذا بقي العرب ضعفاء. ولا يكفي أن تتراجع إيران في ساحة إذا ورثتها تركيا أو إسرائيل. ولا يكفي أن تصعد قوى دولية جديدة إذا ظل القرار العربي مرتهناً للخارج.
المعركة الحقيقية ليست بين العرب وأمة أخرى، بل بين إرادة النهوض العربي وبين جميع مشاريع الهيمنة التي تستهدف أرضهم وثرواتهم وقرارهم؛ بين مشروع عربي تحرري وحدوي، وبين مشروع إمبريالي أمريكي، ومشروع ص.هيوني استعماري، ومشاريع إقليمية إيرانية وتركية تستثمر في الفراغ والانقسام.
إن التاريخ يضع الأمة العربية اليوم أمام خيار لا يحتمل التأجيل: إما أن تعيد بناء ذاتها قوةً موحدة مستقلة، وإما أن تتوزعها خرائط النفوذ الجديدة.
والطريق ليس مجهولاً: فلسطين بوصلته، والوحدة أفقه، والتحرر شرطه، والديمقراطية قاعدته، والعدالة الاجتماعية مضمونه، والإرادة الشعبية أداته.
فالأمة التي صنعت الحضارة، وخاضت معارك التحرر، وقدمت الشهداء دفاعاً عن أرضها وهويتها، ليست عاجزة عن النهوض. لكنها لن تنهض إلا حين تستعيد وعيها بذاتها، وترفض أن تكون تابعة أو ساحة أو ورقة في أيدي الآخرين، وتنتقل من انتظار التحولات الدولية إلى المشاركة في صنعها.
ذلك هو جوهر المشروع القومي العربي: أن تسترد الأمة حقها في أن تكون سيدة أرضها وثرواتها وقرارها ومستقبلها ووحدتها.

Leave a Reply