بقلم: أ. ماجد الغوث أ. طارق ابوعكرمة
في أوقات الح.روب تختلط المفاهيم أكثر مما تختلط الجبهات. وتصبح الكلمات نفسها جزءًا من الصراع السياسي؛ فكل طرف يحاول أن يمنح نفسه الأسماء التي تمنحه الشرعية، حتى لو كانت تلك الأسماء لا تنطبق عليه قانونًا أو سياسيًا. ولعل أكثر المفاهيم تعرضًا للخلط في الحالة السودانية اليوم هي: الدولة، والسلطة، والحكومة. فكثيرون يتعاملون معها باعتبارها شيئًا واحدًا، بينما هي في الفكر الدستوري والقانون الدولي ثلاث دوائر مختلفة، قد تجتمع وقد تنفصل. الدولة ليست الحكومة، الدولة هي الكيان السياسي والقانوني الدائم. أما الحكومة فهي جهاز مؤقت يتولى إدارة الدولة. والسلطة هي القدرة الفعلية على إصدار القرارات وتنفيذها داخل إقليم معين. ولهذا قد تتغير الحكومات مرات عديدة، بينما تبقى الدولة نفسها.
ويذهب عالم الاجتماع الألماني ماكس فيبر إلى أن الدولة هي الكيان الذي يحتكر الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليم معين. ولذلك فإن وجود جماعات مسلحة أو سلطات متنافسة لا يعني بالضرورة قيام دول متعددة، بل قد يعكس أزمة في احتكار الدولة لوظائفها الأساسية. وهو تعريف أصبح من أكثر التعريفات تأثيراً في علم الاجتماع السياسي، وإن كان لا يمثل التعريف القانوني الوحيد للدولة.
إن التمييز بين هذه المفاهيم ليس ترفاً قانونياً، بل يترتب عليه آثار عملية تمس الاعتراف الدولي، وشرعية القرارات، ومسؤولية المؤسسات، ومستقبل التسويات السياسية. فكثير من الأزمات المعاصرة تعقدت لأن الخطاب السياسي استخدم مفاهيم الدولة والحكومة والسلطة وكأنها مترادفات، بينما يميز القانون الدستوري والقانون الدولي بينها تمييزاً دقيقاً.
فرنسا اليوم ليست الجمهورية الأولى، ولا الثانية، ولا الثالثة، ومع ذلك بقيت الدولة الفرنسية. فالدولة تظل شخصاً قانونياً واحداً، بينما تتغير النظم السياسية والحكومات والدساتير. وتغير الحكومات في بريطانيا أو اليابان أو الهند لا يعني قيام دولة جديدة كل مرة. إذن فالحكومة لا تساوي الدولة. متى تقوم الدولة؟ القانون الدولي، ومنذ اتفاقية مونتفيديو لعام 1933،بشأن حقوق وواجبات الدول، التي تعد المرجع التقليدي في تحديد عناصر قيام الدولة. تضمنت التالي :
– شعب دائم.
– إقليم محدد.
– حكومة تمارس الإدارة.
– قدرة على إقامة علاقات مع الدول الأخرى.
ويرى كثير من فقهاء القانون الدولي أن الاعتراف الدولي ليس عنصرًا منشئًا للدولة بقدر ما هو عنصر يعزز مركزها القانوني وييسر تعاملها مع المجتمع الدولي. ولهذا فإن مجرد إعلان حكومة جديدة لا يعني تلقائيًا قيام دولة جديدة. الحكومة يمكن أن توجد خارج الوطن. من الحقائق التاريخية أن الحكومات قد تُنشأ خارج أراضيها. فخلال الح.رب العالمية الثانية انتقلت حكومات بولندا، وفرنسا الحرة، وبلجيكا، وهولندا، والنرويج، وغيرها إلى لندن بعد الاحتلال الألماني، واستمرت تمارس وظائف سياسية ودبلوماسية رغم فقدانها السيطرة على أراضيها. وسميت آنذاك حكومات في المنفى. ولذلك فإن وجود الحكومة خارج الإقليم لا ينفي عنها صفة الحكومة إذا استمرت تتمتع بشرعية دستورية أو باعتراف سياسي ودولي.
لكن السلطة شيء آخر، فالسلطة ليست مجرد أسماء وزراء. السلطة تعني القدرة الفعلية على إدارة الناس. فالسلطة تمارس:
– الأمن.
– القضاء.
– الإدارة.
– الجباية.
– الخدمات.
– تنفيذ القوانين.
ولهذا قد توجد حكومة بلا سلطة فعلية داخل البلاد، كما قد توجد سلطة أمر واقع لا تحظى باعتراف واسع بوصفها الحكومة الشرعية.
لماذا اختارت قوات الدعم السريع تسمية “حكومة”؟ من اللافت أن الإعلان الصادر في نيالا استخدم مصطلح الحكومة ولم يستخدم مصطلح الدولة أو السلطة. وقد يكون لذلك أكثر من تفسير سياسي وقانوني. فإعلان قيام دولة جديدة يعني عمليًا إعلان الانفصال، وما يترتب عليه من آثار قانونية وسياسية بالغة التعقيد. أما إعلان حكومة، فيبقي الباب مفتوحًا للقول إنها حكومة تدعي تمثيل السودان أو جزءًا منه، دون أن تعلن رسميًا قيام دولة مستقلة. ولهذا فإن اختيار المصطلحات في مثل هذه الحالات ليس أمرًا لغويًا، بل قرار سياسي محسوب.
تمثل السيطرة على الأرض عنصراً مهماً في ممارسة السلطة، لكنها لا تكفي وحدها لقيام الدولة وفق القانون الدولي، لأن الدولة لا تقوم بالسلاح وحده، بل بالمؤسسات، والقانون، والإدارة، والاستمرارية. فكم من حركات مسلحة سيطرت على أراضٍ واسعة لعقود، لكنها لم تتحول إلى دول. الدولة تحتاج إلى مؤسسات مستقرة، وإدارة مدنية، ونظام قانوني، واقتصاد، وقدرة على الاستمرار. ولهذا يميز القانون الدولي بين السيطرة الفعلية وبين الشرعية القانونية.
ويميز القانون الدولي أيضاً بين السيطرة الفعلية، أي السيطرة الواقعية على الأرض، وبين الشرعية القانونية، أي الحق المعترف به في ممارسة السلطة. فقد تسيطر جهة على إقليم معين دون أن تصبح حكومة شرعية للدولة، كما قد تحتفظ حكومة بشرعيتها القانونية رغم فقدانها السيطرة المؤقتة على أجزاء من الإقليم.
ليبيا كمثال مختلف ، حيث شهدت ليبيا سنوات طويلة وجود حكومتين متنافستين، إحداهما في طرابلس والأخرى في الشرق. لكن أحدًا لم يقل إن ليبيا أصبحت دولتين. فالخلاف كان حول من يمثل الدولة الليبية، لا حول وجود دولتين ليبيتين. وهذا يوضح أن تعدد الحكومات لا يعني بالضرورة تعدد الدول.
وجنوب السودان مثال آخر، أما جنوب السودان فكان مسارًا مختلفًا تمامًا. فقد جاء بعد اتفاق سياسي ودستوري، واستفتاء شعبي، واعتراف متبادل، وإعلان استقلال رسمي، ثم قبول واسع في الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي. أي أن الدولة الجديدة لم تقم بمجرد إعلان حكومة، بل بعد استيفاء مسار سياسي وقانوني كامل.
هل غياب السفارات يعني غياب الدولة؟. الإجابة لا. فوجود السفارات يعكس مستوى العلاقات الدولية، لكنه ليس الشرط الذي تنشأ به الدولة أو تزول. فقد تمر دول بح.روب أو أزمات فتغلق بعثاتها الدبلوماسية مؤقتًا، بينما تبقى شخصيتها القانونية الدولية قائمة. الشرعية ليست كلمة واحدة، هناك أكثر من نوع للشرعية:
– الشرعية الدستورية.
– الشرعية السياسية.
– الشرعية الشعبية.
– الشرعية الدولية.
– والشرعية الفعلية القائمة على السيطرة والإدارة.
– الشرعية الإنجازية التي تقوم على قدرة السلطة على تقديم الأمن والخدمات والتنمية.
وقد تجتمع هذه الشرعيات في جهة واحدة، وقد تتوزع بين أطراف متعددة أثناء الح.روب والأزمات. ولهذا فإن النقاش حول الشرعية يحتاج دائمًا إلى تحديد نوع الشرعية المقصودة، لا الاكتفاء باستخدام المصطلح بصورة عامة.
وإذا طُبقت هذه المعايير على الحالة السودانية، فإن الجدل لا يدور حول السيطرة العسكرية وحدها، وإنما حول مصادر الشرعية المختلفة. فهناك من يرى أن السلطة القائمة في بورتسودان فقدت جانباً مهماً من شرعيتها السياسية والدستورية منذ الإجراءات التي اتخذها قائد الجيش في 25 أكتوبر 2021، التي شملت تعطيل أجزاء من الوثيقة الدستورية، وحل عدد من مؤسسات الفترة الانتقالية، واعتقال رئيس الوزراء وعدد من الوزراء والقادة المدنيين، وإعلان حالة الطوارئ، وهي إجراءات اعتبرتها قوى سياسية سودانية واسعة، كما رفضتها أطراف إقليمية ودولية، خروجاً على مسار الانتقال السياسي الذي أعقب ثورة ديسمبر 2018.
وفي المقابل، فإن الحكومة التي أُعلن عنها في نيالا تواجه بدورها إشكاليات قانونية وسياسية تتعلق بشرعية قيامها، لأنها تستند إلى سلطة أمر واقع نشأت في سياق نزاع مسلح، ولم تأتِ عبر مسار دستوري أو توافق وطني أو اعتراف دولي واسع، الأمر الذي يجعل مشروعيتها محل نزاع كبير في الفقه السياسي والقانون الدولي.
ومن ثم يرى كثير من الباحثين أن الحكومتين، رغم اختلاف موقعيهما العسكري والسياسي، ترتبطان بجذر واحد هو انهيار التوافق الذي قام عليه الانتقال بعد ثورة ديسمبر، وأن الأزمة السودانية تجاوزت مسألة أي الحكومتين أحق بالسلطة، لتصبح أزمة تتعلق بغياب الدولة الوطنية الجامعة نفسها، وهو ما يفسر استمرار الانقسام المؤسسي وتآكل شرعية مؤسسات الحكم. وبذلك أصبحت الأزمة السودانية أزمة شرعية مؤسسات، لا مجرد أزمة تنافس على السلطة.
كما أن استمرار الح.رب منذ أبريل 2023 أضاف بعداً جديداً للنقاش حول الشرعية، إذ إن قدرة أي سلطة على حماية المواطنين، وصون وحدة الإقليم، والحفاظ على الخدمات الأساسية، أصبحت جزءاً لا يتجزأ من معايير تقييم مشروعيتها. فالح.رب أفضت إلى كارثة إنسانية واسعة، تمثلت في ملايين النازحين واللاجئين، وتدمير أجزاء كبيرة من البنية الأساسية، وتعطيل قطاعات التعليم والصحة والإنتاج والخدمات، وهي نتائج تجعل قضية الشرعية مرتبطة أيضاً بقدرة السلطة على الوفاء بوظيفتها الأساسية في حماية المجتمع وإدارة الدولة.
ولهذا يميز الفكر الدستوري الحديث بين شرعية الوصول إلى السلطة وشرعية ممارستها، فحتى السلطة التي تصل بوسيلة يراها بعضهم مشروعة، قد تفقد مشروعيتها السياسية والأخلاقية إذا عجزت عن حماية المواطنين، أو صيانة مؤسسات الدولة، أو تحقيق الحد الأدنى من الأمن والاستقرار والتنمية. فالشرعية لا تُقاس فقط بكيفية الوصول إلى الحكم، وإنما أيضاً بكيفية إدارة الدولة، لأن الدولة التي تتوقف فيها التنمية، وتنهار فيها المؤسسات، وتتعطل فيها حياة المواطنين، تواجه بالضرورة تآكلاً في رصيدها السياسي والأخلاقي.
لماذا رفض حزب البعث فكرة “دولة المنفى”؟: ظل حزب البعث العربي الاشتراكي، رغم سنوات المعارضة الطويلة للأنظمة العسكرية في أكثر من قطر عربي، يرفض فكرة إنشاء دولة أو سلطة بديلة في المنفى، ويرتبط ذلك برؤيته الفكرية لطبيعة الدولة والشرعية. فالشرعية، في الفكر البعثي، لا تُستمد من مكان إقامة القيادة السياسية، وإنما من ارتباطها بالأمة فوق أرضها، لأن الأمة هي صاحبة السيادة التاريخية، والدولة ليست مجرد جهاز إداري يمكن نقله من مكان إلى آخر، بل تعبير عن وحدة الشعب والأرض والإرادة الوطنية.
ولهذا كان الحزب يميز بين الحكومة في المنفى بوصفها ظرفاً استثنائياً تفرضه ظروف الاحتلال، وبين الدولة في المنفى بوصفها محاولة لإحلال كيان سياسي جديد محل الدولة القائمة. ففي أثناء الحرب العالمية الثانية، انتقلت حكومة تشيكوسلوفاكيا الشرعية إلى لندن بعد الاحتلال الألماني، كما انتقلت حكومات بولندا وبلجيكا وهولندا والنرويج وفرنسا الحرة، لكنها لم تدّعِ أنها أنشأت دولاً جديدة، بل اعتبرت نفسها استمراراً للدولة الشرعية حتى زوال الاحتلال. ولذلك بقيت شخصية الدولة القانونية قائمة رغم فقدانها السيطرة الفعلية على أراضيها.
أما في التصور البعثي، فإن المعارضة السياسية يمكن أن تعمل من الخارج، وقد تضطر القيادات الوطنية إلى المنفى إذا فرضت الظروف ذلك، لكن الدولة لا تُصنع خارج الوطن، ولا تُستبدل بإعلان سياسي أو إعلامي يصدر من الخارج. فالهدف لا يكون إنشاء كيان موازٍ، وإنما استعادة الدولة الوطنية وتمكين الأمة من ممارسة سيادتها فوق أرضها.
ولم يكن هذا الموقف مجرد رؤية نظرية، بل تحوّل إلى قاعدة تنظيمية ملزمة داخل الحزب. فقد اعتبر حزب البعث أن أي انخراط في مصالحة مع سلطة عسكرية قامت خارج الشرعية الدستورية يمثل خروجاً على مبادئه الفكرية والتنظيمية، ولذلك اتخذ، في مناسبات مختلفة، إجراءات تنظيمية وصلت إلى حد فصل بعض أعضائه الذين خالفوا هذا المبدأ. ويعكس ذلك أن مفهوم الشرعية في الفكر البعثي لم يكن شعاراً سياسياً قابلاً للتفاوض، بل مبدأً تنظيمياً يُرتب آثاراً عملية داخل الحزب نفسه.
وينطلق هذا الموقف من أحد المرتكزات الأساسية في الفكر البعثي، وهو أن الأمة تسبق الدولة، والدولة تستمد مشروعيتها من الأمة، لا العكس ولذلك فإن الدولة، في الفكر القومي، ليست غاية نهائية، وإنما وسيلة تاريخية لتمكين الأمة من أداء رسالتها الحضارية، ووحدتها وحريتها. ولذلك فإن أي مشروع سياسي ينفصل عن المجتمع والأرض يتحول، في هذا المنظور، إلى سلطة مجردة تفتقد الأساس التاريخي الذي يمنحها الشرعية.
ومن هنا جاء تمسك الحزب، عبر مختلف مراحل نضاله، بفكرة استعادة الدولة الوطنية من الداخل، لا إنشاء دولة بديلة في الخارج، لأن تحرير الوطن، في الرؤية القومية، يبدأ بتحرير إرادة الأمة نفسها، وليس باستبدالها بكيانات موازية.
إن أهمية هذا التمييز لا تقتصر على الجدل القانوني، بل تمتد إلى مستقبل أي تسوية سياسية في السودان. فالتفاوض على إنهاء الحرب، وإعادة بناء المؤسسات، وصياغة الدستور، وتوحيد القوات النظامية، كلها قضايا تتوقف على فهم صحيح لمعنى الدولة، حتى لا تتحول الخلافات حول الحكومات إلى خلافات حول وجود الدولة نفسها. فاستقرار الدول لا يتحقق بتكاثر الحكومات، وإنما بوجود مؤسسات وطنية موحدة تستند إلى الشرعية الدستورية، وتحظى بقبول المجتمع، وتعبّر عن إرادة الأمة فوق كامل ترابها الوطني.
ويستخدم الفكر السياسي المعاصر مصطلح الدولة الهشة، أو الدولة الفاشلة، لوصف الحالات التي تفقد فيها الدولة قدرتها على احتكار القوة، أو تقديم الخدمات، أو فرض القانون على كامل إقليمها. ولا يعني ذلك زوال الدولة قانونياً، وإنما تراجع قدرتها الوظيفية، وهو ما يجعل إعادة بناء مؤسسات الدولة أولوية تتقدم على مجرد تشكيل الحكومات.
خاتمة: الح.روب لا تختبر قوة الجيوش فقط، بل تختبر أيضًا دقة المفاهيم. فالخلط بين الحكومة والسلطة والدولة قد يقود إلى استنتاجات مضللة. والتاريخ يعلمنا أن الحكومات قد تتعدد، والسلطات قد تتنازع، لكن الدولة لا تقوم بمجرد إعلان، ولا تسقط بمجرد خلاف سياسي. ولهذا فإن السؤال الأهم في الحالة السودانية كيف يمكن إعادة بناء الدولة السودانية بوصفها الإطار الجامع لكل السودانيين، دولة تحتكر القانون، وتحمي الحقوق، وتستعيد مؤسساتها، وتبني شرعيتها على الدستور وإرادة المواطنين، لأن الحكومات تتغير، والسلطات تتبدل، أما الدولة فهي الإطار التاريخي الذي يحفظ وحدة المجتمع، ويضمن استمرار القانون، ويجعل تداول الحكومات ممكناً دون أن تضيع الأمة أو ينهار الوطن.

Leave a Reply