د. الشيخ فرح
رجلٌ في أواخر الأربعينات من عمره وإن كان يبدو أكبر من ذلك بكثير، أشعث الشعرِ واسع الملابسِ قليل الكلام. حينما تراه لأول مرةٍ يخيلُ إليك أنك تعرفه منذ زمنٍ طويلٍ فملامحه مألوفة جداً، لكن أكثر ما يميزه تلك النظرة الثاقبة التي تنفذ إلى داخلك مباشرة، ثم يبدأ في تحويل نظره عنك ببطءٍ شديدٍ وكأنه يريد أن يمسح قلبك وعقلك ويعرف انطباعك عنه وكيف تنظر إليه. ودائماَ ما يبلل شفتيه بلسانه إن باغته بنظرةٍ غير مستعدٍ لها.
كنا نشم رائحة الخمر تفوحُ منه كل صباح ولكنها الآن أضحت وأمست تلازمه بل صارت تفوحُ منه في كلِ حين.
واذا أراد أن يتذكر إسماً أو حدثاً ما، يحّك مؤخرة رأسه بأصابعه الأربعة ويفردُ الخامس، ويغمض عينيه كأنه يريد أن يستدعي ذاكرة خانته أو يشحذ عقلاً ارهقه الكحول.
ولكن على أي حالٍ، كان لطيفاً حُلو المعشر ما أن يتكلم حتى تعقد الدهشة لسانك مما يعرف عن السياسة والعلوم والثقافة. حينما يقابله شباب الحي يقفون معه ويسألونه عن أي شيء حتى يتكلم فحبهم له يجعلهم يستبطئونه لأطول فترة ممكنة، فيدردشون معه ويضحكون حين يبدأ في إطلاق التعليقات الساخرة عنهم وعن حوادث وقصص الحي.
ما أن يترجل من سيارة الأجرة حتى يجد أحد الشباب جاهزاً لمداعبته عن مباراة كرة القدم التي جرت بالأمس القريب فيردُ أنّ الحَكَم جامل فريقهم فصرف ضربة جزاء واضحة، وأن الله ستركم حين أضاع مهاجم فريقه فرصة لا تضيع.
ودائما ما يردد:
-تحترفوا الكرة كيف؟
لا عندكم اقتصاد لا بنية تحتية ولا تخطيط، ما عندكم غير لسانكم السليط.
ﻻ أحد يدري أين ومتى يشرب؟
ومع من ولكن لا تفارقه رائحة الخمر رغم أن أحداً من ساكني الحي لم يره مترنحاً أو واقعاً على الأرض من فرط الشرب وكأنه يشرب لتشُّم رائحته فقط لا ليسكر.
لكن الكُل يذكر حينما دخل بيته أيام قطوعات الكهرباء وجلس أمام الفانوس ثم بدأ يتسامر مع زوجته حليمة وبعدما انقطع الحديث وبدأ في التثاؤب، أراد أن يطفئ الفانوس فرفع غطاءه ونفخ نفخةً طويلةً نحو شعلة الفانوس.
لا أحد يدري ماذا حدث..
هل أن صاحبنا ترنّح هذه المرة مع الظلام فاهتز الفانوس؟
أم هي نفخته المشبعة بالكحول؟
أم أنّ وضعية الفانوس حينما أماله وقت الإطفاء أسالت الوقود على الشعلة؟
المهم أن النّار شَبّت من الفانوس وأمسكت في شعره وفي ياقة قميصه البوليستر، فهبّت حليمة وصَبّت عليه كوب الماء الذي أمامه، ثم غطته بغطاءِ السرير وهي تصيح:
-الحريقة.. الحريقة.
تَجمّع أهل الحي ولكنهم وجدوا بحمد الله أن النّار قد خمدت.
لم تكن النّار قد فعلت شيئاً غير التهام مقدمة شعره وحرق جزء بسيط من جلد رقبتة من الأمام لحسن حظه.
فصاح:
-يا حليمة خلاص…. الليلة خلاص جيبي المصحف وقدامكم كلكم.
فقال أحد الحضور:
-لا يمكن أن تمس المصحف وأنت سكران.
قال:
-خلاص مافي إلا الطلاق.
انفرجت أسارير حليمة فالحمد للمولى ستكون توبته الليلة أمام الجميع.
فقال لهم:
-على الطلاق…. لا… لا، ما يكفي طلاق واحد على الطلاق بالثلاثة،
تاني ما أطفئ الفانوس وأنا سكران.
فوقعت حليمة على الأرض وهي تصيح، وتفرّق أهل الحي وهم يضحكون.

Leave a Reply