هل تتحول دافور إلى بؤرة إقليمية للجريمة المنظمة؟

صحيفة الهدف

 عمار الباقر

الغرض من هذا المقال هو التنبيه إلى خطرٍ كبيرٍ بات يهدد جزءاً عزيزاً من بلادنا وقسماً كبيراً من شعبنا في دافور وبعض المناطق الأخرى الواقعة تحت سيطرة “الدعم السريع”. يتمثل هذا الخطر في تحول هذه المنطقة إلى مركزٍ إقليميٍ للجريمة المنظمة العابرة للحدود، بما يهدد أمن وسلامة المنطقة ككل، وعلى رأسها ليبيا وتشاد وأفريقيا الوسطى والكاميرون وغيرها من دول الجوار.

إن السيطرة الواسعة لقوات “الدعم السريع” والميليشيات المتحالفة معها على معظم أجزاء الإقليم فرضت واقعاً يعتمد على تهريب الموارد، وعلى رأسها الذهب المستخرج من مناجم دافور كمحركٍ رئيسٍ للاقتصاد الموازي، حيث يتم تهريب الذهب عبر شبكاتٍ دوليةٍ معقدة لتمويل شراء السلاح وجلب المرتزقة. إن من يتابع الأوضاع في مدينة نيالا وعددٍ من المدن الرئيسية في الإقليم، يلحظ أنها قد تحولت إلى مراكز لتهريب السلع والمنتجات السودانية دون ضوابط وخارج مظلة الدولة. كما نجد أن سعر صرف العملات الصعبة داخل الإقليم مقابل الجنيه السوداني هو أقل بكثيرٍ من نظيره في المدن التي تقع تحت سيطرة الجيش؛ ويعزو كثيرٌ من المراقبين هذه الظاهرة إلى تفشي ما يعرف بـ “الدولار الأسود”، وهي عملاتٌ أجنبيةٌ ناجمةٌ عن عملياتٍ مشبوهةٍ أو أنشطةٍ غير قانونيةٍ تأتي بها مجموعاتٌ من دول الجوار الأفريقي لشراء سلعٍ من الإقليم بهدف غسل هذه الأموال، مما يشير إلى خطر تحول الإقليم إلى مركز للجريمة المنظمة.

إن صحت هذه التحليلات، فسوف يشكل هذا الوضع خطراً ماحقاً على الاقتصاد السوداني ككل، كما سيمتد ليشمل دولاً رئيسيةً في المحور الداعم للميليشيا نفسها، والتي يمتلك فيها “الدعم السريع” استثماراتٍ وشبكات تمويلٍ ودعمٍ لوجستيٍ معقدة. إن ما يجعل الوضع مختلفاً داخل مناطق سيطرة “الدعم السريع” مقارنة بمناطق سيطرة الجيش، هو حقيقة أن قادة “تأسيس” – الذين يدير معظمهم الإقليم من منازلهم في أبوظبي ونيروبي – يعتمدون على مجموعاتٍ مبعثرةٍ من القادة المحليين الذين يمثلون تكويناتٍ ذات طابعٍ أسريٍ وعشائريٍ محدود، تدعم كلاً منها ميليشياتٌ محدودةٌ ذات الطابع نفسه، وليست لديها ارتباطٌ حقيقيٌ بالمؤسسة القبلية التي ظلت نظام الإدارة الرئيس لمئات السنين. وهو وضعٌ يجعل هذه المجموعات أكثر قابليةً للاختراق بواسطة عصابات الجريمة المنظمة، خصوصاً في ظل انهيار مؤسسات الدولة وهيمنة اقتصاد الحـ.رب، ووجود حدودٍ شاسعةٍ ومفتوحةٍ على دولٍ تعاني هي الأخرى من اضطراباتٍ أمنية، مما يجعلها ممراتٍ آمنةً وشرايين حيوية لشبكات التهريب.

كما أشارت تقارير الأمم المتحدة إلى أن غياب الدولة أدى إلى سيطرة الميليشيات على الأسواق المحلية وطرق القوافل التجارية، حيث تقوم بفرض إتاواتٍ باهظةٍ وممارسة عمليات ابتزازٍ ممنهجة تحت تهديد السلاح. كذلك نجد أن غياب الأجهزة الأمنية الاحترافية ساعد في ازدهار أنماطٍ من التجارة غير المشروعة مثل تجارة السلاح، والاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين. فقد تحول إقليم دافور إلى سوقٍ مفتوحةٍ للأسلحة الخفيفة والمتوسطة والثقيلة، وهذا السلاح لا يغذي الصـ.راع الداخلي فحسب، بل يمتد ليمد جماعات التمرد والجريمة في دول الجوار، مما يجعل الإقليم سوقاً إقليمية، ومركزاً لجذب وتجنيد المرتزقة والمقاتلين من منطقة الساحل الأفريقي.

إن الإقليم يعتبر تاريخياً جزءاً من مسارات الهجرة الأفريقية نحو ليبيا ومنها إلى أوروبا، ومع تفاقم النزوح واللجوء الجماعي، استغلت شبكات الجريمة المنظمة حاجة الفارين لتطوير أنشطةٍ مربحةٍ في مجالات الاتجار بالبشر، وتهريب المهاجرين، وتجارة الإقامات المزورة. قد يظن البعض أن انفصال إقليم دافور هو السيناريو الأسوأ، لكن تحوله إلى بؤرةٍ إقليميةٍ للجريمة المنظمة على غرار عصابات “Black Axe” في نيجيريا أو عصابات الجريمة في هايتي، يعتبر سيناريو أسوأ بكثير، وخطراً ماحقاً يهدد حياة المواطن في دافور ومستقبل الاقتصاد السوداني واقتصاديات دول المنطقة.

في تقديري، أجد أن العوامل الموضوعية والذاتية لسيناريو الانفصال لم تنضج بعد؛ فلا زالت حالة الانقسام والتنافر بين المكونات الاجتماعية داخل الإقليم عميقة. كذلك، لا تزال النخب الانتهازية وقادة الميليشيات الكبيرة المتحالفة مع البرهان لديها القناعة بأن المكاسب التي يمنحها لهم قادة الجيش عبر الهيمنة على مؤسسات الدولة الاقتصادية (وزارة المالية وبنك السودان) وسياسة غض الطرف عن السيطرة على سلاسل التوريد والإنتاج (مثل الذهب)، أكبر وأدسم من المكاسب التي يعدهم بها قائد ميليشيا “الدعم السريع” محمد حمدان دقلو، الذي يدير الإقليم عبر إمبراطوريةٍ عائليةٍ يقودها أشقاؤه.

لكل ما سبق، أجد أنه من المهم تسليط الضوء على ما يجري في مناطق سيطرة “الدعم السريع”، وكشفه للرأي العام، والعمل على تقوية الحركة الجماهيرية في تلك المناطق للمطالبة بدولة القانون والمؤسسات، التي هي الوحيدة القادرة على التصدي لهذا السيناريو المظلم.

#دافور #السودان #الجريمة_المنظمة #الدعم_السريع #أمن_إقليمي #تهريب_الذهب #اقتصاد_الحـ.رب #الأمم_المتحدة #الهدف_السياسي #قضايا_سودانية

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.