الفريق الأول الركن أبو أحمد
مقدمة:
يعتمد مفهوم الردع في العلوم العسكرية والسياسية الإستراتيجية على معادلة واضحة ملخصها : قيام قوة الطرف (أ) بمنع قوة الطرف (ب) من تنفيذ أي فعل لا يرتضيه الطرف الأول ولا ينسجم وطموحه المرسوم، وذلك من خلال فرضية أن الضرر الذي سيلحقه بقوة الطرف (ب) في حالة قيامه بفعل لا يرتضيه الطرف (أ) سيكون مكلفاً ومدمراً للأخير ولسنوات طويلة.
لقد بنت إيران استراتيجيتها الإقليمية على هذه المعادلة، متوهمةً قدرتها على فرض الردع خارج حدودها الإقليمية لحماية جبهتها الداخلية، ضد القوى العظمى وبالذات أمريكيا والخصوم الإقليميين في الوطن العربي والمنطقة.
ومع ذلك تشير التطورات الراهنة إلى أن طهران قد استنزفت إمكانياتها وقدراتها العسكرية وخياراتها التي كانت تراهن عليها في الح.رب، وفقدت أوراق ضغطها الاستراتيجية كمضيق هرمز وأذرعها في شرق الوطن العربي واحدة تلو الأخرى، لتجد نفسها في مأزق وجودي أمام تحولات ميدانية لا تخدم طموحاتها.
أولاً : ورقة غلق مضيق هرمز
.
كان من أبرز سياسة الردع التي تصورها نظام الولي الفقيه في إيران هي غلق مضيق هرمز، والضغط على اقتصاد الخليج العربي بالحد من تصدير النفط والغاز وكذلك التأثير على سوق النفط العالمي والضغط على الاقتصاد العالمي لابتزاز واشنطن. وهذا يشكل ضغط على الرئيس الأمريكي ترامب.
ولكن ما جرى ميدانياً هو قيام الجيش الأمريكي بايجاد وتأمين ممر بديل آمن للسفن قريب من ساحل عمان يجتاز مضيق هرمز، وخارج سيطرة إيران.
وعندما حاولت إيران ضرب السفن، أتى رد الطيران الح.ربي الأمريكي ساحقاً ورادعاً جدًا، إذ جعل الجانب الإيراني يعيد حساباته ألف مرة قبل التفكير في مجرد فتح النار واستهداف أو تهديد أي زورق وليس ناقلة نفط عائداتها لأي شركة أو دولة استخدمت هذا الممر، ناهيك عن تعطيل الملاحة وسير السفن التجارية فيه.
وهنا يكون الواقع الميداني قد أفرغ هذه الورقة الخاسرة من محتواها ولم يعد لتهديها بمضيق هرمز أي قيمة كرادع إيراني على الإطلاق
ثانياً : .الورقة الثانية التي تلعبها إيران هي ضرب “إسرائيل” إذا ضربت حزب الله وكيل إيران في لبنان كأداة للردع.
وعلى هذه الجبهة، سقط رهان إيران أيضاً على استخدام هذا الحزب كأداة للردع، وإصدار حكومة لبنان موقف رسمي بحظر أي نشاط عسكري وأمني له ورفضها أي أعمال عسكرية له تنطلق من أرضها مع حصر السلاح بيد الدولة مما أدى إلى فشل هذه “اللعبة”؛ لعبة تحريك الوكيل الإيراني في لبنان، حيث تواصل “إسرائيل” قصف مواقع الحزب بشكل يومي، وسط غياب أي فعل إيراني للحماية لإدراكها بأن أي محاولة للرد المباشر على “اسرائيل” ستكون هناك ضربة عسكرية للبنية التحتية الإيرانية وستكون تكلفتها باهظة للغاية تشكل كوارث مدمرة وكبيرة في منشآتها العسكرية والمدنية المهمة.
هذا العجز الإيراني عن الرد وعن قدرتها المزعومة على حماية وكلائها وأذرعها انعكس سلباً على هؤلاء الوكلاء في المنطقة، الذين باتوا يعيشون حالة من الضعف والهزيمة في مواقع متعددة جعلها في مأزق استراتيجي، إذ أصبحت “معادلة الرد” العسكري للأذرع الإيرانية غير مجدية ولا تقدم لهم أية حماية فعلية إطلاقًا.
ثالثاً : ورقة استهداف الدول العربية
اتجهت إيران نحو ضرب أهداف في دول الخليج العربي، مثل الكويت والبحرين وكذلك الأردن. غير أن هذا التصعيد العسكري الذي نفذته إيران اتضح أنه غير مجدي ولا قيمة له، وذلك لفاعلية دفاعات الصد في الكويت والبحرين ضد استهداف مناطق لا تتواجد فيها قواعد أمريكية، وأثبت التصعيد الإيراني أيضاً عدم فاعليته فهو لا يمتلك أي قيمة استراتيجية عسكرية حقيقية ذات فائدة.
أما بالنسبة للتهديد تجاه السعودية والإمارات، فيبدو أن إيران تراجعت عن استهدافهما، ربما نتيجة تحذيرات بامتلاكهما قدرات من شأنها أن تحدث رد عسكري جدي ومؤثر، أو بفعل تدخلات دبلوماسية، مثل الدور الباكستاني الذي عقد معاهدة دفاع مشترك مع السعودية، أو سعي باكستان لإقناع طهران بالكف عن التصعيد العسكري أو الإعلامي ضدها.
الدور الباكستاني واجتماع حلف الناتو:
لعبت باكستان دوراً براغماتياً، حيث ينصب اهتمامها الأساسي على استمرار تدفق وتهريب النفط إليها، مع التركيز على وقف إطلاق النار أكثر من اهتمامها بإنهاء الحصار أو التهديدات الاستراتيجية.
كما أن حضور الرئيس ( ترامب ) إلى اجتماع حلف الناتو في تركيا قد يولد شعور لدى القادة في إيران بأن هناك حالة تغيير في السياسة الدولية في المنطقة ليست في صالحها، خاصة في ظل المعارضة الدولية لغلقها مضيق هرمز والتجاوز على المياه الدولية، إضافة إلى طلب تركيا شراء طائرات f35 الح.ربية، وتأييد حلف الناتو للإجراءات العسكرية الأمريكية ضد إيران لوضع حد لابتزازها للاقتصاد العالمي، مما أفقد إيران أي آفاق في الحصول على تعاطف أو دعم دولي .
سمات الردود الإيرانية : الارتباك في محاولة لاستعادة مسرح زمام المبادرة، والمبادئة
إن طبيعة الرد العسكري الأمريكي لا يتخذ شكل الح.رب الشاملة المباشرة، بل يعتمد على ضربات انتقائية قوية متقطعة لمواقع مهمة وحساسة، تتراكم آثارها التدميرية لتؤدي في نهاية المطاف إلى شل وضعف إمكانيات نظام الملالي في إيران، وكأنها قصف تمهيدي لعمليات كبرى.
واللافت للانتباه هو غياب أي رد فعل إيراني عسكري حقيقي ومؤثر تجاه الأهداف العسكرية الأمريكية يكون ذو قيمة، كاستهداف السفن والبوارج وحاملات الطائرات؛ إذ تكتفي طهران بـ “ردود صفرية” لا تسمن ولا تغني من جوع، مما يمنح واشنطن حرية الحركة لقواتها العسكرية متعددة القوى والصنوف في قصف ما تشاء ومتى تشاء للأهداف داخل العمق الإيراني.
الخاتمة :
خلاصة القول، إن “أوراق الضغط” التي طالما أعلنت وهددت بها طهران قد تلاشت وضعفت إلى حدٍ كبير فأصبحت غير مؤثرة تحت وطأة الضغوط الدولية وتغير موازين القوى.
إن هذا الواقع لا يشير فقط إلى تراجع النفوذ الإيراني، بل يضع النظام أمام تحدٍ وجودي، حيث تحولت استراتيجية الردع خارج حدوده الجغرافية إلى عبء، وأصبحت أداوته التقليدية لديه ضعيفة و بلا قيمة أحيانًا. لذلك نحن أمام مشهد إقليمي يعاد تشكيله، حيث لا مكان فيه للاستراتيجيات القائمة على التهديد العسكري الأجوف، مما يفتح الباب لتساؤلات عميقة حول مستقبل النظام الإيراني في ظل هذا الاستنزاف الكبير المستمر.

Leave a Reply