سعدون حمادي… ما تركه رجل الدولة وما نهبه لصوص النفط

صحيفة الهدف

✍🏽خالد ضياء الدين

تابع العالم باهتمام أخبار الحملة على المسؤولين العراقيين الذين عثّر داخل منازلهم على ملايين الدولارات وكميات من الذهب مخبأة في حفر عميقة. وهذه الأموال، هي حصيلة اختلاسات وعمولات من عائدات بيع النفط العراقي.

أطنان من العملة المسروقة من قوت العراقيين وعلاج أطفالهم وتعليمهم.

     كلما قرأت عن كشف مخبأ، أو هروب مسؤول بمئات الملايين من الدولارات، أتذكر الأستاذ المناضل الدكتور سعدون حمادي.

وهو الخبير الاقتصادي والوزير الذي تولى عدة مناصب أيام الحكم الوطني العراقي قبل الإحتلال الأمريكي، منها رئاسة شركة النفط الوطنية، قبل أن يتولى لاحقا وزارة النفط. وقبل هذا وذاك، كان أحد الذين خططوا ووضعوا اللبنات الأولى لقرار تأميم النفط عام 1972.

لماذا أتذكره الآن؟

لأن المقارنة بين رجل دولة غادر الدنيا بإرث من الفكر والنزاهة، وبين من راكموا الثروات من عائدات النفط، تفرض نفسها كلما تكشفت فضيحة جديدة.

شغل الأستاذ سعدون حمادي وزارات وشركات تعنى بالنفط والمعادن، ثم أصبح رئيسا للوزراء عام 1991، ورئيسا للمجلس الوطني. ومن قبل كان المبادر إلى تكوين أول خلية لحزب البعث في كربلاء. وقبل ذلك كان كاتبا ومفكرا، ألّف العديد من الكتب، منها الأعمال الكاملة للدكتور سعدون حمادي في ثلاثة مجلدات، وهي عبارة عن بحوث وحصيلة تجاربه وتخصصه في الإقتصاد. كذلك كتب في الإقتصاد القومي وقضايا المواطن والوحدة العربية.

واستمر عطاؤه حتى بعد إطلاق سراحه من الأسر بعد عام 2003 على يد المحتل الأمريكي.

وعند إجراء مقارنة بين وزراء ومسؤولي الدولارات المدفونة من عائدات النفط، وبين الدكتور سعدون حمادي، الذي تبوأ مناصب نفطية ومسؤوليات وضعت نفط العراق ومعادنه تحت إدارته، نجد أنه غادر الفانية ولم يترك سوى مبلغ زهيد من المال هو حصاد راتبه ومعاشه، إضافة إلى عائدات بيع كتبه ومدخراته.

وكانت وصيته قبل أن يتوفاه الله لأبنائه أن يؤخذ من ماله قسم ترسم به خارطة الوطن العربي كاملة على ضريحه، وأن يكتب على شاهد القبر:

“أيها المواطنون، عليكم بوطنكم العربي وحدوده في دولة قوية تقدمية، فليس غير الوحدة العربية ما يحقق لكم الأمن والنهضة والتقدم، وهي آتية لا محالة، بإذن الله، وبجهادكم وإرادتكم الواعية.”

ثم أوصى أيضا بأن يسلم باقي المبلغ كاملا إلى مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت، حتى يستمر المركز في تقديم عطائه، وألا ينقطع إرثه في نشر الوعي القومي.

    لم يورث الدكتور سعدون حمادي أبناءه ملايين الدولارات، مثلما يحرص وزراء ومدراء وسياسيين “الغفلة” ولم يغتن الفارهات من السيارات ولا الشاهقات من العمارات، واكتفى بأن يورثهم تاريخًا من النزاهة والبساطة والسمعة الحسنة. وحتى عندما قدمه الأعداء إلى محاكماتهم الجائرة، عجزوا عن أن يثبتوا عليه أي إدانة تتعلق بالمال العام.

حمادي، الذي رحل تحفه دعوات العراقيين الذين يقارنون بين حقبة النزاهة وعفة اليد، وما يحدث الآن من هدر وتبديد وسرقة وجشع، إنما يبكون رجالا قدموا أرواحهم فداء للعراق، شعباً وأرضاً وماردًا، ولم تثبت عليهم تهمة اختلاس أو سرقة مال عام.

هي حقبة سعدون حمادي وطارق عزيز وطه ياسين رمضان وعزة إبراهيم الدوري وغيرهم من القادة العفيفين، بقيادة قائد الدفة وربان سفينة الورع والزهد والأمانة… صدام حسين المجيد.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.