بقلم :أبوبكر ضياء الدين
الجزء الأول
خلينا نتفق أول حاجة ليس هناك من يمتلك إجابة كاملة…لكن أنا بحاول أفرش ليك كل البعرفوا…وقبل ده يحصل .. خلينا نقعد في (الواطة/تراب الأرض)..ونقول بسم الله… :
الحاصل شنو…والح.رب سببها شنو… وليه مستمرة لغاية هسه… وأهداف الح.رب المعروفة وغير المعروفة شنو…وبالتالي المستفيد منها منو…؟!…
1/أول حاجة خلينا نعاين لجغرافية بلدنا الكبيرة دي…بنلقى ناس عايشة في ضفاف نهر النيل وديل ناس مستقرين وناس زراعة وبيطلق عليهم (الحضر)…وناس عايشين في الصحراء(أبالة)وناس متنقلة مع مواسم الأمطار (رعاة/رحالة)..وناس بين الجبال والبحر لا هم رعاة ولاهم انشغلوا بصيد الأسماك ولاهم مزارعين…. والبعض ظل معزولًا بحكم تواجده على قمقم جبلية وعرة…وغير ذلك الكثيرين الذين انحصروا في بيئاتهم المكانية والمناخية والغابات وكل هذه التجمعات تعيش على كفاف ما تنتجه…..هذا الوصف كان ضروريًا لفهم التباين الذي فرضت عزلته الجغرافية وغياب الخدمات الأساسية (صعوبة التنقل) لعقود طويلة..الشيء الذي أفرز (شعب واحد)موزع ضمن بيئات معزولة…هذا الواقع جاء المستعمر (التركي /العثماني)و كانت أول محاولة للسيطرة على(السودان) واستعماره بشعارات دينية زائفة….قابلتها الثورة المهدية برغم كل الملاحظات التي تقال حولها..بوعي متقدم…فنادت بالتحرر إِذا فهمت الاسلام كثورة ضد الظلم والتجبر والتحيز والاحتلال …وانتصرت مستخدمة الوعي المتقدم حتى على واقع اليوم…إذ كانت الرايات ترفع فيها للاتجاهات لا للقبائل..(أمير الشرق ورايته)..الخ… ولكن سرعان ما جاءت(الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس) (إنجلترا) لتستعمر السودان واحتلته بالقوة والسلاح واستمرت في احتلاله بسياسة(فرق تسد)…. وساعدها في ذلك مجتمع البيئات المعزولة وحافظت على بقاء هذا الحال..وكل منجزها كان لخدمة أهدافها من الاحتلال مثل(خطوط السكك الحديدية..البريد والبرق…المدن أو الموانئ…وحتى التعليم… والكلية الحربية)…(وليس بعيد عنا قوانين المناطق المقفولة أو عدم استخدام اللغة العربية..وأحيانًا تقريب دائرة مجتمعية معينة وتجاوز دوائر أخرى … بقصد خلق فتن صامتة ومسيطر عليها تنفجر حين حوجتهم لذلك)..
المهم…إن هذه المدن التي تم (خلقها) من قِبل المستعمر مثل ود مدني أو الخرطوم والخرطوم بحري..وكانت مدينة أمدرمان قد سبقتهم..وكذا الأبيض وعطبرة…..قد شكلت البدايات الأولى التي انصهر فيها البعض من تلك المجتمعات المعزولة…ومع ظهور ثورات الشعوب للتحرر ونيل استقلالها بدأت الثورة من هذه المدن إذ كانت الأخبار وأحداث العالم تصلها بشكل أو بآخر وتتأثر بها وتلبي تطلعها وكان للتعليم الذي قصد منه المستعمر وجود موظفين لخدمة مستهدفاته وقبلها الدور العسكري للوطنيين…فكانت ثورة 1924 المجيدة وكان (مؤتمر الخريجين) وما استتبعه من أدوار وولادة أحزاب…المهم…نال السودان تحرره واستقلاله هذه المرة ليس كما أحدثته الثورة المهدية من إشراك فعلي نضالي قت.الي لمعظم بيئات المجتمع السوداني(رعاة ومزارعين وغيرهم.. بوعي الإسلام ثورة…)…..لذا استقلالنا في يناير 1956 لم يكن نتاج ثورة فعلية برغم كل النضالات التي صاحبته…لذا عند حدوثه…لا أعتقد أن كل بيئات ومجتمعات الشعب وجدت نفسها فيه إن لم أقل لم تكن جزء من فعل التحرر نفسه…وبالذات مجتمعات خارج المدن الحديثة أو تلك المجتمعات التي حملت الثورة المهدية وكانت مادة تضحياتها…!!!
2/ نال السودان استقلاله السياسي عبر نضال ونزوع وطني صحيح لكنه افتقر ل (الوعي الشامل) الذي يجعل من كل شعب السودان مادته في الإنجاز ك( وسيلة وغاية)فغرقت قواه السياسية حينها في(الطائفية)ختمية وأنصار…وغرق في المقابل الحزب الشيوعي في مفاهم وشعارات كبيرة (ومغتربة) (أغلقت)وجوده على المدن(الحديثة) المعزولة…!!!…وظلت الحكومات والسلطات التي توالت على حكم البلاد رهينة صراعاتها ولم تُكسب ذلك الاستقلال مضامينه الاجتماعية والاقتصادية ولا حتى التنموية أو التعليمية…فظل استقلالًا منقوص المحتوى واسميًا لحد كبير…لذا ظلت تلك المجتمعات في عزلتها الجغرافية وفي ضيمها الاجتماعي وفي هامشيتها في القرار الوطني…وظلت متخلفة بحكم كل ذلك وما تبعه من غياب للتنمية والتعليم….
المهم…تم ذلك بقصد أو بدونه..لست مهتمًا بتفسيره الآن برغم الإجابة البديهية..المتمثلة في روحية الزعامة والتملك المادي وتملك (القطيع)..!!!…ولكن بنظرة موضوعية علمية وثورية نجده قد تم نتيجة غياب البرنامج الذي يقرأ الواقع ويفسره ويعمل مستندًا على الإنسان نفسه لتغييره . فظلت هذه المجتمعات خارج فكرة الدورة الاقتصادية الحديثة وحتى من انتقل منها نحو المدن أو المشاريع الزراعية ظلت تحكمه العزلة الأولى وظلت ذكريات الصراع القديم المستمر بين (الرعاة والمزارعين) هي الفاعلة والمتفاعلة وعلى مستوى المدن ظل الاندماج فيها تحكمه عوامل متداخلة منها ما ذكرناه ومنها ما سنستعرضه لاحقًا…وبالنتيجة نمت المدن واتسعت معها عوامل العزلة الاجتماعية والنفسية…وبرغم كل (الثورات/الانتفاضات الشعبية في اكتوبر 1964 أو في مارس/أبريل 1985 أو الانتفاضات الأخيرة التي أسقطت النظام (المتأسلم)، الذي يعمل حتى هذه اللحظة بذات شعار المستعمر الإنجليزي (فرق تسد)عبر خلق الفتن وتخريب الوحدة المجتمعية وتسويق خطاب الكراه.ية والعن.صرية… لم تتم قراءة الواقع بمنهجية علمية جدلية تاريخية…..لذا ظل الوجدان الشعبي تنمو فيه عوالق كثيرة وفواصل ضخمها غياب التنمية المتوازنة وبذرتها سلطة(الحركة الإسلامية ومن بعدها اعتمدتها سلطة الأمر الواقع)..
…الوعي بهذا الجزء مما كتبت فيه. له أهميته لما سيأتي بالكتابة في ما بعده…على كلٍ هو ليس سرد تاريخي معزول عن الوعي بما فيه وما يعنيه وما أفرزه لذا (وعي الضرورة وضرورة الوعي) يشكل أرضية الفهم الصحيح بلا تضخيم أو تقزيم..للأسئلة المطروحة في مستهل هذه السلسلة من الكتابة.
2026/7/7

Leave a Reply