بين حسابات القوى الكبرى ومأساة السودانيين من يسمع صوت الشعب؟

صحيفة الهدف

أمجد السيد

لم تعد الحرب في السودان مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين بل أصبحت ساحة تتقاطع فيها المصالح الإقليمية والدولية، بينما يقف الشعب السوداني وحيدًا يدفع ثمن صراع لا ناقة له فيه ولا جمل كل طرف يتحدث بلغته الخاصة، ويدافع عن مصالحه، أما المواطن السوداني فلا يملك سوى انتظار نهاية حرب سرقت وطنه وحياته ومستقبله

ما أعلنه المستشار الأمريكي مسعد بولس أمام مجلس الأمن يمثل تطورًا سياسيًا مهمًا، لأنه صدر من الدولة التي تقود عمليًا جهود الوساطة لوقف إطلاق النار. حديثه بأن مقترحات الهدنة الإنسانية قوبلت بالرفض من جانب البرهان ليس مجرد تصريح سياسي، بل رسالة للمجتمع الدولي تحدد  من وجهة نظر الوسيط  الطرف الذي أعاق الوصول إلى هدنة تخفف معاناة المدنيين.

سواء اتفق الناس أو اختلفوا مع السياسة الأمريكية، فإن واشنطن تمسك اليوم بملف الوساطة، وهي الجهة التي صاغت مقترحات وقف إطلاق النار وسعت لتقريب وجهات النظر. لذلك فإن تقييمها لسلوك الأطراف ليس كتصريحات الدول البعيدة عن مسار التفاوض، بل يستند إلى تجربة مباشرة مع العملية التفاوضية.

وفي المقابل، جاء الموقف الروسي من زاوية مختلفة تمامًا فموسكو ركزت على الاعتراف بحكومة الأمر الواقع، ورفض أي اتفاق يتم دون مشاركتها، مع التأكيد على عدم إقصاء القوى العسكرية والدينية والسياسية من أي حوار مستقبلي. إنه موقف يعكس رؤية تقوم على أولوية السيادة والشرعية التي تتعامل معها روسيا أكثر من تركيزه على كيفية الوصول العاجل إلى وقف الحرب.

وهنا يظهر الفارق بين الموقفين؛ فالولايات المتحدة تتحدث عن وقف إطلاق النار وتحدد  بحسب روايتها  من يعطل الهدنة، بينما تنطلق روسيا من تثبيت وضع الحكومة القائمة وضمان مشاركتها في أي تسوية سياسية. وبين هذين المسارين يضيع السؤال الأهم متى يتوقف نزيف دم السودانيين؟

أما البرهان والقوى التي تساند استمرار الحرب، فإن خطاباتها تربط أي وقف لإطلاق النار بشروط سياسية وعسكرية تجعل السلام مؤجلًا إلى أجل غير معلوم. والنتيجة العملية لكل ذلك هي استمرار المعارك، واتساع رقعة الدمار، وتفاقم الكارثة الإنسانية، بينما يتحول المدنيون إلى مجرد أرقام في تقارير المنظمات الدولية.

لقد أصبح ملايين السودانيين بين نازح ولاجئ، وأصبح الجوع والمرض وانهيار الخدمات واقعًا يوميًا الأسر فقدت منازلها

والأطفال فقدوا مدارسهم، والمرضى فقدوا حقهم في العلاج، والاقتصاد انهار بصورة غير مسبوقة حتى بات الحصول على أبسط مقومات الحياة معركة يومية يخوضها المواطن

وفي معسكرات النزوح ودول اللجوء تتواصل المأساة بصورة أخرى آلاف الأسر تعيش بلا استقرار، تواجه الفقر والبطالة، وتتعرض أحيانًا للتمييز أو صعوبة الحصول على الخدمات، بينما يحمل اللاجئ السوداني هم وطنه فوق هموم غربته، منتظرًا لحظة يعود فيها إلى أرضه آمنًا.

وسط كل هذه المواقف، يبقى الغائب الأكبر هو صوت الشعب السوداني. فهذا الشعب لم يختر الحرب، ولم يستفت في استمرارها ولم يستفد منها، بل كان هو الضحية الأولى لها. أغلبية السودانيين تريد وقفًا فوريًا لإطلاق النار، وفتح الممرات الإنسانية والعودة إلى الحياة الطبيعية، ثم إطلاق عملية سياسية وطنية يقرر فيها الشعب وحده من يحكمه عبر الوسائل الديمقراطية.

إن السلام الحقيقي لا يُبنى على انتصار السلاح، ولا على فرض الأمر الواقع، ولا على الرهان على استمرار الحرب لتحقيق مكاسب سياسية. السلام يبدأ حين تصبح حياة الإنسان السوداني أغلى من كراسي السلطة وحين تدرك القوى المتحاربة أن الوطن أكبر من طموحات الأفراد والجماعات.

لقد أثبتت هذه الحرب أن الرابح الوحيد هو الخراب، وأن الخاسر الحقيقي هو السودان بكل مكوناته. ولذلك فإن مسؤولية القوى المدنية، والإعلام ومنظمات المجتمع وكل المؤمنين بالسلام هي مواصلة الضغط الشعبي والسياسي لوقف الحرب، وكشف كل من يعرقل جهود السلام، أياً كان موقعه أو انتماؤه.

سيختلف الأمريكيون والروس، وستتباين مواقف دول الإقليم وستظل القوى الدولية تبحث عن مصالحها لكن يبقى السؤال الذي يجب ألا يغيب عن أحد:

من يعيد للسودانيين وطنهم الذي سُرق منهم؟ ومن ينصف ملايين الأبرياء الذين لم يطلبوا سوى أن يعيشوا في سلام وكرامة؟

فالتاريخ لن يتذكر كثيرًا تفاصيل بيانات مجلس الأمن، لكنه سيتذكر أن شعبًا كاملًا دفع ثمن صراع على السلطة، وأن السلام كان مطلبه الأول، وما زال.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.