السودان بعد الحرب.. نهاية المركزية الاقتصادية أم إعادة تشكيلها؟

صحيفة الهدف

✍🏽 خالد ضياء الدين

لم تغير حرب أبريل 2023 خريطة السيطرة العسكرية فحسب، بل أعادت رسم الخريطة الاقتصادية، وأنهت إلى حد كبير نظرية المركز الاقتصادي الواحد في العاصمة الخرطوم.

خسرت العاصمة الخرطوم موقعها السياسي والاقتصادي والسكانـي، بعد أن كانت مركزا للوزارات السيادية والبنوك والشركات الكبرى.

لقد افقدت الحرب مركزية الخرطوم، بتوقف مؤسسات الدولة وهجرتها إلى بورتسودان، وانتقال رؤوس الأموال إلى دول الجوار وإلى مدن داخلية أكثر أمنا. كما دفعت الحرب أيضا إلى إعادة التفكير في مفهوم “المركز الواحد” الذي ظل لعقود يحكم بنية الإقتصاد السوداني.

توزعت وتغيرت مسارات التجارة؛ فبورتسودان أصبحت بوابة التجارة الخارجية عبر الميناء، وعطبرة مركزا للإنتاج والتجارة مع بعض دول الجوار، وقد نشطت فيها مراكز النقل والخدمات اللوجستية.

مدني بدأت في التعافي وتمضي نحو استعادة الصناعات الزراعية والخدمات، وهناك شندي ودنقلا ومروي يمكنها الاستفادة من حركة الصادر والوارد باستثمارات تنهض بمدن كانت من قبل نسيا منسيا.

قد لا يكون السؤال المناسب هو: هل ستعود الخرطوم كما كانت؟ بل هل سيعود السودان إلى إعادة إنتاج مركزية اقتصادية، أم الأفضل هو أن تتوزع مراكز القوى الاقتصادية والاستثمارات بمختلف أنشطتها بما يعزز التنمية في الولايات، وألا تحتكر مدينة أو مدينتان مفاصل الاقتصاد؟

حتماً سيكون السودان أفضل إذا تعددت مراكز اقتصاده، حتى إذا استعادت الخرطوم عافيتها، لأن ذلك يقلل من المخاطر حال نشوب حرب ثانية أو التعرض لكوارث طبيعية أو تعطلها بسبب أحداث سياسية. وهذا النموذج ليس استثناء، بل ينسجم مع تجارب دول متعددة اعتمدت على توزيع الأدوار الاقتصادية بين أقاليمها بدل التركيز في عاصمة واحدة، مثل نيجيريا “لاجوس وابوجا”، والبرازيل، والمانيا، وجنوب افريقيا..

كل ولاية لها ميزتها وما يمكن أن ينهض بها ويحقق توازنا اقتصاديا وسياسيا، ويمكن أن يتحقق تكامل اقتصادي بين مدن البلاد المختلفة بالاستفادة من تجربة الخرطوم ومقوماتها التي يصعب تجاوزها على الأقل في المنظور القريب، حيث الخبرات المتراكمة والبنية التحتية الاقتصادية، وكذلك موقعها الجغرافي المميز الذي يؤهلها للعب دور محوري بعد إعادة إعمارها، على ألا تعود لاحتكار النشاط الاقتصادي.

فالأنسب: خرطوم قوية معافاة ضمن مدن اقتصادية قوية، فهذه التجربة إن حدثت هي أقرب للصمود حال تكرار تجربة الحرب – لا سمح الله.

لقد تضاءل دور الخرطوم بسبب الحرب، وتوزع النشاط الاقتصادي بين المدن، وانتقلت رؤوس الأموال إلى مناطق أكثر استقرارا، ولكن تبقى عملية الانتقال هشة وتحتاج أولا إلى وقف الحرب حتى يطمئن المستثمر ليدفع بأمواله دون خوف من تكرار تجربة الخرطوم ومدني وغيرهما. فإعادة تشغيل المصانع والمشاريع الزراعية تحتاج أولا إلى استقرار الكهرباء والمياه، وصيانة الطرق والجسور، وبسط الأمن، وهي من أولويات الاستقرار والضمان لعودة السكان إلى المدن الكبرى (الخرطوم/أمدرمان/بحري/مدني).

كما أن من أبرز المعوقات غياب رؤية سياسية واقتصادية مستقرة مع استمرار العمليات العسكرية، وصعوبة التمويل.

خلاصة القول: إن السودان يحتاج الآن إلى حسن تخطيط، بحيث تعود الخرطوم بكل زخمها وتجربتها قوية ضمن مدن قوية تتوزع فيها مصادر القوى الاقتصادية والسياسية. فالتجربة السابقة أثبتت قصورها وتسببت في أزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية، فمدن مهمشة مع عاصمة تحتكر السلطة لم يعد مقبولا، فنحن نحتاج إلى سودان ناهض بكل ولاياته ومدنه، وهذا أقرب إلى متطلبات بلد بحجم السودان الجغرافي وتنوع موارده.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.