لبنان بين وصايات الخارج وجدل الاتفاقات: نحو خطة خلاص وطني

صحيفة الهدف

  من الطائفية (حصان طروادة) إلى مطلب الشعب في إنهاء الحرب

في 01/07/2026 حسن خليل غريب

مدخل: تاريخية الهيمنة الخارجية على لبنان

منذ العهد العثماني حتى اليوم، ظل لبنان ساحة مفتوحة لتدخلات الخارج، تتبدّل فيها أشكال الهيمنة بتبدّل الطوائف التي تستقوي بالخارج. فقد ارتبطت الهيمنة السنيّة بالخلافة العثمانية، ثم المارونية بالانتداب الفرنسي عام 1920، وصولًا إلى الهيمنة الشيعية التي تعزّزت مع التدخل السوري منذ 1976، وتوسّعت لاحقًا مع النفوذ الإيراني بعد وصول الملالي إلى السلطة في طهران. ومع سقوط النظام السوري في كانون الأول/ديسمبر 2024، مالت الكفّة لصالح الهيمنة الإيرانية منفردة.

في كل هذه المراحل، كانت الطائفية السياسية بمثابة حصان طروادة، تُتيح للخارج السيطرة على القرار اللبناني، وتمنح الطائفة المتحالفة معه قوة على الطوائف الأخرى. هكذا تداخلت الطائفية مع الهيمنة الخارجية لتشكّل معًا تاريخًا طويلًا من الارتهان، جعل لبنان عاجزًا عن بناء سيادة مستقلة.

في هذه المرحلة الدقيقة التي يدفع بها الجنوبيون بشكل خاص، ثمناً غالياً من أرواحهم وأرزاقهم، ولا يملكون فيه ترف الوقت لصراع المواقف السياسية والقانونية المتناقضة.

وعلى الرغم من العديد من الثغرات التي شابت نصوص الاتفاقين: اتفاق واشنطن في 26 حزيران 2026، بين لبنان والعدو الصهيوني. واتفاق الإطار بين إيران وأميركا.

وبعيداً عن المناكفات السياسية والإعلامية التي تنتشر في لبنان وكأنه لا خلاص له سوى بأحد خيارين لا ثالث لهما: أولهما خشبة الخلاص الأميركية، والثانية خشبة الخلاص الإيرانية. نتقدَّم برؤية عملية، لعلَّها تصبح جزءاً من حل مُستدام. وهي قابلة للحوار الهادف إلى الوصول إلى شاطئ الأمان.

أولاً: أي اتفاق يحلّ معضلة لبنان؟ بين الرعاية (الوصاية) الأميركية، أم الرعاية (الوصاية) الإيرانية:

في ظل موازين القوى الدولية والإقليمية، يواجه لبنان سؤالًا مصيريًا: هل يكفي الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي برعاية أميركية لوقف الحرب، أم أن الحل الحقيقي يكمن في الاتفاق الأميركي–الإيراني الأخير الذي يرسم حدود النفوذ في المنطقة؟

الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي، الذي من شوائبه أنه لم يضمن خطة انسحاب واضحة ومحدودة الزمن، فإنه يقدّم صيغة مباشرة لوقف النار، ويمنح الدولة اللبنانية فرصة كلامية لتثبيت سيادتها عبر مؤسساتها الشرعية. غير أن هذا الاتفاق يبقى هشًّا إذا لم يحظَ بغطاء إقليمي أوسع. والسبب أن حزب الله، اللاعب العسكري الوحيد، سواءٌ اختلفت معه أم توافقت، لا يلتزم إلا بما يتوافق مع حسابات إيران. وإن أي حل من دون وقف إطلاق النار من قبل كل من إسرائيل أو حزب الله، لن تنفتح بوابات الحلول. ولأن استراتيجية حزب الله هو أنه (إذا لم يشارك باللعبة فسيعمل على تخريبها).

في المقابل، الاتفاق الأميركي–الإيراني يتجاوز حدود لبنان ليضع إطارًا إقليميًا للصراع، حيث تُدار المواجهة بين واشنطن وطهران على قاعدة توازن النفوذ.

هذا الاتفاق، وإن لم يكن لبنانيًا في جوهره وأهدافه، لكنه يملك قدرة أكبر على فرض حرب طويلة، أو تهدئة طويلة الأمد، بـ(ضمانة أميركية – دولية)، و(ضمانة إيرانية)، لأن توقيع اتفاق مع أميركا سوف يأخذ حالتين بعين الاعتبار، وهما: رضى إيراني منصوص عليه في الاتفاق يقضي بأن تلتزم إيران بالامتناع عن مساعدة وكلائها من جهة، وأن تلتزم بمطلب عربي رسمي للغرض ذاته من جهة أخرى. علماً أن أواصر علاقة إيران بأذرعها بدأت تضعف كثيراً بعد إقفال البوابة السورية، والبوابة العراقية أخذت طريقها للإقفال على نار حامية.

لذلك لبنان يحتاج إلى الجمع بين الاتفاقين معاً: اتفاق داخلي يكرّس سيادة الدولة، واتفاق إقليمي يضمن أن السلاح لن يطيح بأية تسوية.

بين هذين الدورين، ولأن لبنان -حسب نصوصه الدستورية- جزء لا يتجزأ من الوطن العربي- لا يمكن لأية تسوية صحيحة أن تتم من دون تحديد مفهوم الدور العربي فيها.

وهذه الفرضية، التي لاتزال قيد الاختبار، على الرغم من أرجحية حصولها، ستوفِّر للبنان ضمانات دولية وعربية لا يمكن لقطار أية تسوية بعيدة المدى أن يسير. وأما السبب فهو أن لبنان لا يمكنه بناء منظومة عسكرية دفاعية تسمح له بالحصول على قوة ردع مع العدو الصهيوني. كما أنه عاجز عن توفير مستلزمات إعادة الإعمار، ومستلزمات التنمية الاجتماعية والاقتصادية. لذلك يُمثِّل الحصول على الضمانات الدولية والعربية عاملاً أساسياً في ترسيم مستقبل لبنان المستقل على قواعد سليمة.

ثانياً: الدور العربي في خطة الخلاص اللبنانية:

لا يمكن لأي مشروع سلام في لبنان أن ينجح إذا بقي معزولًا عن الموقف العربي العام. فالتجربة التاريخية أثبتت أن أي تسوية منفردة مع إسرائيل تُضعف الموقف اللبناني وتحوّله إلى ساحة ابتزاز، بينما الربط بالموقف العربي يمنح لبنان غطاءً سياسيًا واستراتيجيًا أوسع.

إن إدراج الدور العربي في خطة الخلاص الاستراتيجية للبنان يحقق ثلاث فوائد أساسية:

1-الشرعية القومية: أي اتفاق مع إسرائيل يصبح جزءًا من الموقف العربي الجماعي، فلا يظهر لبنان وكأنه يخرج عن الإجماع أو يفرّط بالقضية الفلسطينية.

2-التوازن الإقليمي: الموقف العربي الموحد يخفّف من وطأة النفوذ الإيراني، ويمنح لبنان فرصة لإعادة التوازن في علاقاته الخارجية.

3-الدعم العملي: الدول العربية قادرة على توفير غطاء اقتصادي ودبلوماسي للبنان، بما يترجم أي اتفاق إلى مكاسب ملموسة للشعب، بدل أن يبقى مجرد نص سياسي.

وفي الخلاصة، يجب تضمين الدور العربي في خطة الخلاص الاستراتيجية للبنان. فربط قضاياه بالموقف العربي يحمي لبنان من العزلة، ويعيد إليه عمقه الطبيعي ويمنحه فرصة لبناء سيادة حقيقية على أرضه، قائمة على الشرعية الوطنية والعربية معًا.

ثالثاً: القواعد السليمة بين المشروعين: نحو سيادة لبنانية مستقلة

بين الاتفاق اللبناني–الإسرائيلي برعاية أميركية، والاتفاق الأميركي–الإيراني الذي يرسم حدود النفوذ الإقليمي، يظل السؤال الأهم: ما هي القواعد التي تضمن للبنان سيادته على أرضه؟

1-أول قاعدة هي أن أي اتفاق يجب أن يُعقد باسم الدولة اللبنانية لا باسم القوى الطائفية أو الميليشياوية. الشرعية الدستورية هي الضمان الوحيد لسيادة حقيقية، وإلا بقي لبنان ساحة لتجاذبات الآخرين.

2-يجب أن يُربط أي تفاهم بقرارات دولية واضحة، مثل القرارين 425 و1701، بحيث يصبح الانسحاب أو التهدئة جزءًا من مسار قانوني دولي، لا مجرد صفقة ظرفية.

3-لا بد من أن يترافق أي اتفاق مع تعزيز دور الجيش اللبناني ليكون هو الجهة الرسمية التي تستلم الأرض وتحمي الحدود، فلا يبقى القرار العسكري خارج مؤسسات الدولة.

4-يجب أن يُترجم الاتفاق إلى مشاريع اجتماعية واقتصادية تعوِّض للمتضررين من الحروب، لأن السيادة لا تُبنى فقط بالحدود، بل أيضًا بالقدرة على توفير حياة كريمة للشعب.

5-لا يمكن لأي اتفاق أن ينجح إذا لم يُعالج معضلة الطائفية السياسية التي كانت دائمًا حصان طروادة للهيمنة الخارجية. المطلوب هو خطاب وطني جامع يتجاوز الانقسامات ويعيد الاعتبار للهوية اللبنانية–العربية.

الخلاصة: سواء جاء الحل عبر اتفاق لبناني–إسرائيلي أو عبر تفاهم أميركي–إيراني، فإن القواعد السليمة التي تضمن السيادة هي: الشرعية الدستورية، ربط الاتفاق بالقانون الدولي، تعزيز الجيش، تحقيق مكاسب شعبية، وتجاوز الطائفية. بدون هذه القواعد، سيبقى لبنان أسيرًا للوصاية الخارجية مهما تغيّرت أشكالها.

الخاتمة

إن المدخل الحقيقي في هذه المرحلة لحل قضية صراعات النفوذ على أرضه -إسرائيلية وإيرانية- هو وضع حد للحرب الدامية التي يقودها العدو الصهيوني أولاً لإيقاف مسلسل المجازر الرهيبة، حجراً وشجراً وبشراً.

ولكن حلّ القضية اللبنانية لا يمكن أن يقتصر على اتفاق ثنائي مع إسرائيل أو تفاهم إقليمي بين واشنطن وطهران، بل يجب أن يقوم على قواعد سليمة تضمن السيادة: الشرعية الدستورية، ربط الاتفاق بالقانون الدولي، تعزيز الجيش، تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية، وتجاوز الطائفية.

وإلى جانب ذلك، يبقى الدور العربي عنصرًا لا غنى عنه، لأنه يمنح لبنان غطاءً سياسيًا واقتصاديًا ويعيد إليه عمقه الطبيعي.

بين القانون والهيمنة، وبين الداخل والخارج، يظل التحدي الأكبر هو تحويل لبنان من ساحة نفوذ إلى دولة ذات قرار مستقل، قادرة على حماية شعبها وصياغة مستقبلها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.