أمجد السيد
أعاد مقال الأستاذ عزالدين القوطالي المعنون بين الأستاذين بدر الدين مدثر وميشيل عفلق الشرارة الأولى والشعلة الأبدية فتح واحدة من أهم صفحات تاريخ البعث العربي الاشتراكي في السودان، حين استعرض اللقاء الذي جمع القائد المؤسس بالأستاذ بدر الدين مدثر في بيروت عام 1961، ثم مسيرة التفاعل الفكري التي امتدت بعد ذلك في بغداد.
ذلك اللقاء لم يكن مجرد مناسبة عابرة بين قائد حزبي وشاب سوداني، وإنما كان بداية انتقال مدرسة فكرية كاملة إلى السودان. فقد عاد الأستاذ بدر الدين مدثر حاملاً مشروعاً قومياً متكاملاً، لا يقوم على ترديد الشعارات، وإنما على بناء الإنسان المناضل، المؤمن بأمته، والملتزم بقضايا شعبه، والمنحاز للديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية.
لقد نجح الأستاذ بدر الدين مدثر في أن يجعل من الفكر القومي في السودان ممارسةً سياسية وأخلاقية فربّى أجيالاً من البعثيين على أن الالتزام الحزبي يعني أولاً الالتزام بقضايا الجماهير، وأن قيمة المناضل تقاس بما يقدمه لوطنه وأمته، لا بما يناله من مواقع أو امتيازات.
ونحن، بعثيي السودان نفخر بأننا تتلمذنا على هذه المدرسة التي أسسها الاستاذ بدر الدين مدثر واستمدت روحها من فكر القائد المؤسس ميشيل عفلق، لكنها اكتسبت خصوصيتها من واقع السودان وتحدياته. فقد علّمنا أن الديمقراطية ليست تكتيكاً سياسياً، بل هي شرط أساسي لنهضة المجتمع، وأن الاستبداد هو العدو الأول للوطن والأمة.
ولذلك لم يكن مستغرباً أن يقول الأستاذ بدر الدين مدثر في خطابه بتاريخ 25 أبريل 1987:
«”لقد خبرنا الديمقراطية وخبرنا في نفس الوقت الديكتاتورية، ونعرف أنه في ظل الديمقراطية يستطيع الشعب أن يناضل من أجل الإنجاز وأن يكشف أي محاولة للمهادنة مع أعدائه. أما في ظل الدكتاتورية، فليس هناك سوى القمع والخراب الاقتصادي والاجتماعي والسياسي، والتقهقر بالبلاد إلى الوراء وسرقة قوت الشعب وبيع الوطن للأجنبي، وإذلال المواطنين.
تكشف هذه الكلمات أن الاستاذ بدر الدين مدثر لم يكن ناقلاً لفكر القائد المؤسس ميشيل عفلق، بل كان مجدداً له في الواقع السوداني إذ ربط المشروع القومي بالدفاع عن الديمقراطية وحقوق الشعب، وجعل مقاومة الاستبداد جزءاً أصيلاً من النضال القومي.
إن أعظم ما أنجزه الأستاذ بدر الدين مدثر أنه لم يترك لنا تنظيماً فقط، بل ترك مدرسة في الفكر والأخلاق والنضال. ولهذا، فإن الحديث عنه ليس استعادةً للماضي، وإنما تأكيدٌ أن الشعلة التي حملها من القائد المؤسس ميشيل عفلق ما تزال متقدة في وجدان بعثيي السودان، وستظل تنير الطريق لكل من يؤمن بأن وحدة الأمة، وحرية الإنسان والديمقراطية والعدالة الاجتماعية هي ركائز أي مشروع نهضوي عربي.

Leave a Reply