حمدي صلاح الدين
على الرغم من أن هدفه الذي أحرزه في مرمى هاييتي كان الهدف الثالث للمغرب ولم يكن مؤثراً ولا حاسماً، إلا أن اللاعب المغربي سفيان رحيمي بعد إحراز الهدف جرى بضع خطوات ثم انهار بالبكاء فغطى وجهه بيديه، إلا أنه لم يشعر أن هذا كافٍ فارتمى على الأرض على وجهه وكفاه تغطيان وجهه وانخرط في نوبة بكاء وسط رجاءات زملائه في مشهد مؤثر جداً.
لم يتوقف رحيمي عن البكاء حتى بعد إحاطة زملائه به واحتضنوه ومسحوا على رأسه وربتوا على كتفه، لكنه لم يتوقف ودفعوه دفعاً ليتوجه إلى مدرج الجمهور المغربي لتحيته، فتوجه إلى الجمهور باكياً ولم يتمكن من مواصلة التحية غير ثوانٍ قليلة وهو يمسح دموعه.
مشهد مؤثر لامس شغاف القلوب وتداولته الأسافير ومحطات التلفزة بكثافة.
صحيفة “المنتخب” وصفت المشهد بـ “دموع البر بالوالدين والوفاء للشعار”. وركزت على أن سفيان رحيمي يثبت في كل مرة أن قوته تستمد من رضى والديه، وأن دموعه تعكس طينة اللاعبين المحترفين الذين يلعبون بقلوبهم وعواطفهم قبل أقدامهم.
وقالت صحيفة “هسبريس” إن رحيمي أعطى درساً في الإنسانية، وكتبت أن “دموع سفيان خطفت الأضواء من النتيجة”.
“ماركا الإسبانية” أفردت مساحات للمشهد تحت عنوان “الهدف الذي فجر المشاعر” وأشارت إلى أن رحيمي يمثل نموذجاً للاعب الذي يربط إنجازه الرياضي ببيئته العائلية، وأن المشهد يذكر العالم بأن هؤلاء النجوم ليسوا آلات صماء، بل بشر.
“سكاي سبورتس” ركزت على نشر الفيديو على نطاق واسع، واصفة إياه بأنه “واحد من أكثر المشاهد عاطفية في البطولة”. وأكدت أن بكاء رحيمي المتواصل، ورفضه الاحتفال الصاخب، والارتماء في أحضان زملائه يوضح كيف يمكن للهدف أن يكون وسيلة “تطهير نفسي” للاعبين.
ولعل الربط بين بكاء رحيمي وقلوب السودانيين هو أن السودانيين تابعوا نسخاً عديدة من كأس العالم قبل الحرب وبدت مشاهد تفاعل اللاعبين بالبكاء فرحاً أو حزناً مشاهد عادية، لكن هذه أول نسخة كأس عالم يتابعها السودانيون بعد الحرب، وأغلب السودانيين يتابعون هذه النسخة إما في منافي الداخل أو منافي الخارج، وبالتأكيد ينظرون إلى هذه المشاهد بتفاعل غير ذي قبل.
ينظر السودانيون إلى بكاء اللاعبين والمشجعين فرحاً أو حزناً وفي قلوبهم جمرة وفي حلوقهم غصة مما يحدث في السودان، مقارنة أثق تماماً أنها اعتملت في نفوس كثيرين في منافي الداخل والخارج.
إن عمق التجربة الحالية يجعل من كل تفصيلة في المونديال رمزية تتقاطع مع الواقع السوداني المعاش.
في كرة القدم، يتقبل الجميع البكاء لأن القوانين واضحة؛ هناك غالب ومغلوب بناء على الجهد داخل الـ 90 دقيقة. هذا الوضوح يفتقده السوداني في حياته الحالية التي يسودها شعور بـ “عدم العدالة” جراء حرب فرضت عليه دون ذنب.
لذلك، فإن رؤية لاعب يبكي لضياع حقه أو لظلم تحكيمي ستثير بداخل نفوس اغلب السودانيين غصة تماثل غصتهم من ظلم الظروف.
و بالتأكيد عندما يرى السوداني لاعباً يبكي بحرقة أثناء عزف نشيد بلاده، لن يرى مجرد لاعب كرة قدم؛ بل سيرى “البلد” الذي اشتاق لإيقاعه، وأمان بيته القديم، وجلسات الأهل قبل الحرب.
دموع اللاعبين لأجل أوطانهم ستلامس وتراً حساساً وحزيناً في قلب كل سوداني يتوق لليوم الذي تتوقف فيه الحرب.
بعض حالات بكاء اللاعبين تكون ناتجة عن ثقل المسؤولية والشعور بعدم القدرة على إسعاد الجماهير، رؤية لاعب ينهار تحت وطأة الضغط النفسي ستفجر فينا دموعاً لقصص شخصية محزنة ومعاناة يومية لا علاقة لها بالمستطيل الأخضر.
حفظ الله بلادنا وكل بلاد المسلمين.

Leave a Reply