بين شرعية القوة وشرعية الشعب: قراءة في كلمة (الهدف) في ذكرى انقلاب الثلاثين من يونيو1989م

صحيفة الهدف

طارق عبد اللطيف أبوعكرمة

ليست خطورة الانقلابات العسكرية أنها تغيّر الحكومات، فالحكومات تتغير في كل النظم السياسية، وإنما خطورتها أنها تغيّر مصدر الشرعية نفسه. ففي الدولة الحديثة لا تستمد السلطة مشروعيتها من امتلاك القوة، وإنما من قبول المجتمع بها. أما الانقلاب، فإنه يبدأ بعكس هذه القاعدة، إذ يجعل القوة هي مصدر الشرعية، ثم يحاول بعد ذلك أن يبحث عن شرعية تبرر القوة. والمقصود بالشرعية هنا ليس الشرعية القانونية التي تمنحها النصوص الدستورية فحسب، بل الشرعية الأخلاقية والاجتماعية التي تنبع من قبول المجتمع ورضاه. وقد تتعارض الشرعة القانونية مع الشرعية الشعبية في حالات كثيرة، لكن الاستقرار الحقيقي لا يتحقق إلا حين تتطابق الشرعتان. وهنا يبدأ الخلل الذي لا يتوقف عند السياسة، بل يمتد إلى بنية الدولة والمجتمع معاً.

ففي يونيو 1989، أطاح انقلاب عسكري بحكومة منتخبة كانت تمثل تجربة ديمقراطية قصيرة لكنها واعدة في تاريخ السودان، منهياً بذلك مساراً سياسياً كان قد بدأ بعد انتفاضة أبريل 1985 التي أطاحت بحكم انقلاب 25 مايو 1969. ولم يكن هذا الانقلاب مجرد تغيير حكومة، بل كان نقطة تحول في مسار الدولة السودانية نحو عقود من الحكم العسكري الإسلاموي الدكتاتوري التي ما زالت تداعياتها حاضرة حتى اليوم.

ومن هذه الزاوية يمكن قراءة كلمة الهدف الصادرة في2026/6/30م، بذكرى انقلاب الثلاثين من يونيو 1989.حيث تؤكد الكلمة (لم يعد الاستقلال السياسي في القارة الإفريقية خاتمة مطاف أو سدرة منتهى، بقدر ما صار مدخلاً لجهاد أكبر، هو تحقيق الديمقراطية المقترنة بالتنمية والعدالة وحكم الشعب المستدام)، فهي لا تتوقف عند استعادة حدث تاريخي، وإنما تطرح سؤالاً أعمق: هل يمكن أن تقوم دولة مستقرة إذا أصبح السلاح طريقاً دائماً إلى السلطة؟ إن هذا السؤال لا يخص السودان وحده، بل يمثل أحد أكبر الأسئلة التي واجهت الوطن العربي وأفريقيا منذ منتصف القرن العشرين.

فالاستقلال السياسي، مهما بلغت أهميته، لم يكن نهاية المشروع الوطني، بل كان بدايته. غير أن كثيراً من الدول التي تحررت من الاستعمار وقعت في مفارقة تاريخية قاسية، إذ خرجت من هيمنة الخارج لتدخل في هيمنة الداخل، وانتقلت من سلطة المحتل إلى سلطة الفرد، ومن الوصاية الأجنبية إلى الوصاية العسكرية. حيث أكدت الكلمة (أفرغت الانقلابات العسكرية الاستقلال من أي مضمون وطني أو قومي تقدمي، بل أنها أضافت القهر والعسف والاضطهاد والقمع على قاعدة فرق تسد)، وهكذا تبدلت أدوات السيطرة، بينما بقي المواطن بعيداً عن أن يكون صاحب القرار الحقيقي. ومن هنا تأتي أهمية الفكرة المركزية التي تطرحها الكلمة، وهي أن الاستقلال لا يكتمل إلا عندما تصبح السيادة للشعب، لا لمن يحكم باسمه.

فالسيادة ليست علماً يرفع فوق المباني، ولا نشيداً وطنياً، ولا حدوداً مرسومة على الخرائط، وإنما هي قدرة المواطنين على أن يختاروا من يحكمهم، وأن يراقبوه، وأن يغيروه بوسائل سلمية حين يفقد ثقتهم. حيث أشارت الكلمة الى إن (إضراب المعلمين، نموذجاً لاستعادة الإرادة الشعبية لتقاليدها النضالية)، ولهذا فإن أخطر ما تفعله الانقلابات ليس تعطيل الانتخابات، وإنما إلغاء الفلسفة التي تقوم عليها الدولة الحديثة كلها، لأنها تستبدل مبدأ السلطة ملك للشعب، بمبدأ آخر هو السلطة لمن يستطيع الاستيلاء عليها. وعندما يتحول هذا المنطق إلى قاعدة سياسية، تصبح الدولة نفسها رهينة دورة لا تنتهي من الانقلابات والانقلابات المضادة، لأن القوة لا تنتج إلا قوة، ولا تستطيع أن تؤسس شرعية دائمة. ولهذا لا تعيش الدول على القوة وحدها، وإنما تعيش على الثقة. والثقة لا تُفرض بالدبابات، ولا تُصنع بالأجهزة الأمنية، ولا تُشترى بالدعاية، وإنما تنشأ عندما يشعر المواطن أن الدولة تعبر عنه، وأن القانون يحكم الجميع، وأن تداول السلطة ليس استثناءً، بل قاعدة مستقرة.

ومن هنا فإن كلمة الهدف لا تدعو فقط إلى إنهاء الحرب، حيث أشارت الى ( إنّ فشل المساعي الإقليمية والدولية المبذولة منذ أكثر من ثلاث سنوات في إنهاء الحــرب، هي مناسبة لأن يتلمس السودانيون، ودون انتظار، دورهم المتقدم في هذا المجال، وتفعيل تقاليدهم المجربة في الكفاح والنضال الذي لا هوادة فيه من أجل هزيمة مخطط إدامة الحـرب، وتحقيق السلام، كقضية أولى، ودعم مساعي حماية المدنيين وإغاثة المتضررين من الحـرب )، وإنما تعيد التذكير بحقيقة تاريخية أعمق: أن الحروب الأهلية كثيراً ما تكون النتيجة الطبيعية لتعطيل السياسة. فعندما تُغلق أبواب التعبير السلمي، يزداد احتمال أن تبحث القوى المختلفة عن وسائل أخرى لفرض إرادتها، فيتحول الخلاف السياسي إلى صراع مسلح، وتتحول الدولة من إطار جامع إلى ساحة مواجهة.

وفي الحالة السودانية تبدو هذه الحقيقة أكثر وضوحاً. فقد عرف السودان منذ استقلاله واحدة من أغنى التجارب العربية في العمل النقابي، والحياة الحزبية، والثورات الشعبية السلمية. ولم يكن الشعب السوداني عاجزاً عن إنتاج السياسة، بل كان من أكثر الشعوب قدرة على استعادتها كلما حاولت السلطة مصادرتها. ولذلك فإن العودة إلى الشعب ليست مجرد شعار سياسي، وإنما عودة إلى المصدر الوحيد الذي يستطيع أن يمنح الدولة شرعية مستقرة.

بالتالي فإن القيمة الفكرية الأهم في هذه الكلمة أنها تنقل النقاش من سؤال من يحكم؟، إلى سؤال أكثر عمقا كيف تُكتسب شرعية الحكم؟ فالأنظمة تتغير، والأشخاص يرحلون، لكن الأمم التي تريد مستقبلاً مستقراً لا تبني دولتها على الأشخاص، بل على المؤسسات، ولا على القوة، بل على القانون، ولا على الغلبة، بل على الإرادة الحرة للمواطنين.

ولهذا فإن العبارة التي تختتم بها الكلمة: لا سلطة لغير الشعب ولا وصاية على الشعب، ليست شعاراً حزبياً بقدر ما هي قاعدة فلسفية في بناء الدولة الحديثة. فكل وصاية، مهما حسنت نواياها، تنتهي إلى مصادرة إرادة المواطنين، وكل سلطة لا تقبل التداول السلمي تحمل في داخلها بذور أزمتها المقبلة.

إن الأمم لا تُقاس بعدد الانقلابات التي شهدتها، وإنما بقدرتها على أن تجعل الانقلاب مستحيلاً، لا بالقوة، بل بترسيخ ثقافة دستورية تؤمن بأن الشعب وحده هو صاحب السيادة، وأن السلطة وظيفة عامة، لا غنيمة، وأن الدولة تبقى بينما تتغير الحكومات. وهذا هو الدرس الذي ما زال السودان، كما كثير من دول المنطقة، مدعواً إلى استكماله في أن الشرعية التي تمنح من الشعب قد تسحب منه سلمياً، أما الشرعية التي تولد من القوة فلا تتوقف عن البحث الدائم عن قوة تحميها، حتى تستهلك الدولة نفسها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.