د.أشرف مبارك
كان يرى الغرفة نفسها كل ليلة: جدران ملساء بلا نوافذ، بلا باب، بلا أثر لشيء عاش هنا يومًا. وفي وسطها مرآة بإطار نحاسي باهت، لا تعكس وجهه، بل طرقًا ترابية تتشعب ثم تنقطع، كأنّ الأرض تتراجع عن رسم نفسها.
أسماء تظهر وتُمحى، خرائط تهتز، أصوات لا تُفهم ولا تُرفض.
كان يستيقظ دائمًا قبل أن يصل إلى نهاية الحلم. في الصباح، كل شيء يعمل كما يجب. الساعة لا تتأخر، الماء ينزل من الصنبور، الضوء يدخل من النافذة، والمفاتيح مصطفّة على الطاولة كما تركها. مفاتيح البيت، المكتب، والسيارة. ومحفظته التي تحوي بطاقاته مرتبة ومصفوفة.
ثلاث بطاقات تحمل اسمه، اثنتان تختصرانه، وواحدة تضيف لقبًا. يستطيع تمييز أي واحدة بسهولة. وبطاقات على جانبيها أرقام طويلة لا تقول شيئًا غير أن بعضها للنقود، وبعضها للدين.
في الطريق إلى العمل، المباني متشابهة بما يكفي لتطمئن، ومختلفة بما يكفي لتربك. يحفظ الإشارات. لا يتأكد إن كان يحفظها أم أنها فقط لم تتغير منذ وصوله.
ينادونه هناك: بروفيسور. الكلمة تلتصق به من الخارج، مثل معطف مستعار، بينما يبقى عاريًا في معبر المطار حين يسمع كلمة “وافد”. حين يأتي النداء من بعيد يشعر أن الكلمة تبحث عنه أكثر مما يجده هو.
الهاتف يرن أحيانًا في أوقات لا يختارها. كثيرًا ما يتململ، لكنه أحيانًا يبتسم. أمه تتصل مساءً: إنت الليلة وين؟ ما اتصلت.
السؤال لا يتغير، لكنه لا يبقى كما هو. السؤال لا يقصد المكان دائمًا، وإن بدا كذلك. يضحك. الصوت يصلها مطمئنًا، ولا يصلها شيء آخر.
كان الأب دائمًا معلّقًا بصوت مسموع ومتسائل: كيفك يا دكتور؟
لم يكن السؤال للإجابة بقدر ما هو للترحيب. ويتخيله كما كان دائمًا: لا يجلس كاملًا، بل نصف ملتفت، بيده صحيفة، كأن جزءًا منه بقي في جهة لم تُذكر: نحن ناس طرق.
جملة لا تشرح شيئًا، ولا تحتاج شرحًا. كان يسمعها منه منذ صغره، وفهم أنها ليست تعريفًا، بل إلغاء للتعريف.
أمّه، كلما اقتربت من الحكاية، ابتعدت. يسمعها تضع الإبريق على النار، تريد أن تصنع شاي المغرب. تسأل سؤالًا لا ينتظر جوابًا.
في العمل الأجساد متشابهة والأسماء تختلف. يحفظها. لا تتبدل. اللغة التي يشرح بها لا تمرّ به. يستخدمها بإتقان وبلكنة أهلها، لكنها ليست لغته. كأنها خرجت من مكان محفوظ وعادت إليه دون أن تترك أثرًا.
المدينة تمنحه ما يكفي ليبقى. لا تسأله أكثر مما يجيب، ولا تعطيه أقل مما يحتاج. الناس لطفاء إلى حد ما، لكن اللطف هنا لا يترك أثرًا. يمر كما تمر الأشياء التي لا تخدش.
ومع ذلك السؤال لا يختفي: من أين أنت؟ وقد يُستبدل بنداء بجنسيته.
كان يحاول أن يكون دقيقًا في الإجابة، ثم اكتشف أن الدقّة تربك أكثر. صار يختار اسمًا واحدًا ينطقه ببطء، كأنه يجرّبه في فمه قبل أن يقدّمه. يرى في العيون لحظة إيحاء بالفهم، ثم ارتياحًا سريعًا. يعرف عندها أن الإجابة كانت كافية، لا لأنها صحيحة، بل لأنها مفهومة.
هناك شيء يتناقص. ليس انهيارًا واضحًا، بل نقصًا هادئًا. الأشياء لا تختفي دفعة واحدة، بل تفقد أطرافها شيئًا فشيئًا: اسم شارع يُختصر، أغنية يُنسى مطلعها، أصدقاء يستخدمون أزمنة معلّقة: “كان”.
وتبقى الذكريات، لكن دون يقين أنها انتهت. “ربما.. يمكن”. البلاد في كلامهم لا تموت ولا تعيش. تبقى في صيغة لا تُصرّف.
في البيت، الأصوات كثيرة. ابنه يشجع فريقًا من هنا وفريقًا من هناك بلا تناقض. ابنته تسأله فجأة: إنت من وين؟
يضحك، يشير حوله، ويقول: من هنا. فتقتنع بسهولة. تبتسم وتعود إلى لعبها. لا تسأله مرة أخرى.
الغرفة كأنها كانت تنتظره عندما يعود مرهقًا في المساء. المرآة في مكانها. الإطار كما هو، يحمل أثرًا لا يُمحى. السطح ساكن، ثم ببطء تبدأ الأشياء بالظهور: طريق واحد فقط يمتد دون أن يتفرّع، اسم واحد لا يكتمل، صوت واحد يقترب ثم يتلاشى قبل أن يصل.
يمد يده، لا ليلمس، بل ليتأكّد أن هناك حدًا. الزجاج لا يقاوم تحت أصابعه. يمر عبره كما لو لم يكن هناك. يتوقف. ينظر. لا شيء خلفه ولا أمامه. فقط امتداد شفاف يحمل كل شيء ويتركه بلا اسم. يبقى واقفًا. زمن بلا قياس. ليس لأنه لا يرى وجهه، بل لأنه كان ينظر إلى مكان آخر.
مرّت أصابعه خلال الزجاج كأنه غير موجود. وحين سحب يده، وجدها تحمل حقيبة قديمة، متشقّقة من كثرة ما فُتحت وأُغلقت.
تخيل نفسه يرفعها من زاوية الغرفة، يملأها بملابس قليلة وكتب لن يقرأها، ثم يعود فيضعها في مكانها. لا داعي.
الطريق الذي يمتد أمامه في المرآة لم يعد يؤدي إلى أي شيء.
استقرت الحقيبة عند قدميه كتساؤل ثقيل. كاد يرفعها، لكن ثقلًا غامضًا شدّ ذراعه إلى الأسفل، ومرّت في ذهنه أماكن تركها لم تعد تنتظر أحدًا. التهمتها النيران والبطون الجائعة. فقط رماد، وأسماء تأكلها النشرات العاجلة.
لمعت في عتمة ذاكرته وجوه لم تكن تحتاج أسماء، أصابع تقلّب أوراقًا لا تخصّها، قبل أن تقذفه إلى الحدود.
لم تفارقه الحقيبة منذ أن كان النقل اليد الباطشة لرئيسه الذي همهم بصوت بالكاد كان يُسمع: ذلك مصير من يحتج علينا.
ومنذ أن سمع من مديره: لن تتقدم خطوة. نحن نعلم أنك لست معنا.
حمل هذه الحقيبة وخرج. منذ ذلك اليوم، الطريق يحدث فجأة، بلا وداع.
كان يعرف أن خلفه، في مكان ما وراء الوهاد والبحار والسنين، ليس له أرض تفتح له أبوابها. واليوم، الأخبار تقول بقرب سقوط المنطقة الوسطى. الأسماء التي كانت تظهر في الحلم لم تعد أسماء قرى، بل مجرد صدى. الجماعة التي طاردته لم تعد بحاجة إلى مطاردته؛ فقد سبقته إلى كل ما يمكن أن يعود إليه.
نظر إلى الحقيبة عند قدميه. لم يعد فيها معنى. لم يعد الطريق يؤدي إلى شيء. ابتسم ابتسامة خفيفة، لا من فرح ولا من يأس، بل من نوع آخر من الوضوح.
“نحن ناس طرق”، قال لنفسه بهدوء، بصوت أبيه. لكن الجملة هذه المرة لم تلغِ التعريف فقط، بل ألغت الحاجة إليه.
لم يعد يبحث عن بلد. لم يعد يبحث حتى عن وجه. لم يبقَ ما يُنسب إليه، فترك نفسه لما لا يُسمّى.
رفع رأسه نحو الامتداد الشفّاف خلف المرآة. لا أسماء، لا خرائط، لا سؤال: “من أين أنت؟”.
خطا خطوة واحدة، ثم وقف هناك، في مكان لا يحتاج اسمًا.

Leave a Reply