مجدي علي
في تاريخ الفن التشكيلي السوداني أسماء أسّست المسار، وأخرى وسّعت حدوده.. وقلّة فقط استطاعت أن تخلق عالمها الخاص وتمنح الفن التشكيلي في السودان ملامح جديدة يمكن التعرّف إليها من النظرة الأولى. ويعتبر البروفيسور حسين جمعان قولًا وفعلًا واحدًا من هؤلاء القلائل الذين لم يكتفوا بالرسم بوصفه ممارسة جمالية، بل تعاملوا معه باعتباره مشروعًا ثقافيًا كاملًا للبحث في الهوية والذاكرة والإنسان..
وُلد حسين جمعان بمدينة كسلا عام 1946، المدينة التي تتكئ على سفوح التاكا وتعيش في تماس دائم بين الجبل والسهل والضوء واللون. فمنذ سنواته الأولى تشكّلت علاقته بالألوان والخطوط والإيقاعات البصرية التي ستظهر لاحقًا في أعماله بأشكال أكثر نضجًا وتعقيدًا.
درس جمعان التصميم بمعهد الكليات التكنولوجية عام 1966، ثم واصل رحلته الأكاديمية حتى نال الماجستير من الكلية الملكية البريطانية في لندن، والدكتوراه من جامعة جوبا. غير أن أهمية هذه الرحلة العلمية تكمن في قدرتها على توسيع أفقه الفني، إذ أتاحت له الاطلاع على تيارات الفن الحديث والمعاصر، دون أن تدفعه إلى القطيعة مع بيئته المحلية أو الذوبان في النماذج الغربية الجاهزة.
ينتمي حسين جمعان إلى الجيل الثاني للحركة التشكيلية السودانية الحديثة، وهو الجيل الذي وجد نفسه أمام سؤال صعب: كيف يمكن للفنان السوداني أن يكون معاصرًا دون أن يفقد صلته بجذوره؟ وكيف يستطيع أن ينتج لغة تشكيلية حديثة لا تنكر خصوصية المكان السوداني؟
كانت إجابته مختلفة عن كثير من أبناء جيله. فقد اختار أن ينقّب في طبقات التراث الشعبي والرموز النوبية القديمة والأساطير والحكايات والمفردات البصرية المتوارثة، ثم يعيد صياغتها داخل بناء تشكيلي حديث. لم يكن التراث عنده مادة للزخرفة أو الاستعراض الفولكلوري، بل طاقة روحية وفكرية قادرة على إنتاج أشكال جديدة من التعبير.
ولهذا يصعب وضع حسين جمعان داخل مدرسة فنية مغلقة.. فهو يقترب من التعبيرية حين يمنح اللون دورًا عاطفيًا كثيفًا، ويقترب من الرمزية عندما يجعل العناصر البصرية تحمل معاني أبعد من ظاهرها، كما يلامس التجريد حين يختزل الأشكال ويعيد تركيبها وفق إيقاعه الخاص. لكن النتيجة النهائية تظل عالمًا يحمل بصمته وحده.
في لوحاته لا تظهر الأشياء كما هي في الواقع، بل كما تعيش في الذاكرة والوجدان. الإنسان، والمرأة، والحصان، والطائر، والنخلة، والرموز النوبية، تتحوّل إلى إشارات بصرية تتجاوز حدود الشكل المألوف. فالأجساد تستطيل، والخطوط تنساب بحرية، والألوان تتحرك في فضاء أقرب إلى الحلم منه إلى المشهد الواقعي.
وكانت المرأة من أكثر الرموز حضورًا في تجربته. فهي ليست شخصية مرسومة بقدر ما هي استعارة للأرض والخصوبة والأمومة والذاكرة. كما احتلت الطيور والخيول والكائنات الأسطورية مساحة رمزية واسعة، ترتبط بالحرية والرحلة والتحوّل والبحث عن المعنى.
أما اللون عند حسين جمعان فلم يكن عنصرًا زخرفيًا، بل لغة قائمة بذاتها. فقد امتلك حساسية استثنائية في التعامل مع المساحات اللونية، حيث تتجاور الألوان في علاقات دقيقة تمنح اللوحة حيوية داخلية وتوازنًا بصريًا لافتًا.
ومن أهم ما يميز تجربته قدرته على الجمع بين العفوية والوعي. فبعض أعماله تبدو قريبة من رسوم الأطفال في بساطتها، غير أن هذه البساطة تخفي معرفة عميقة بالبناء التشكيلي وبالعلاقات البصرية المعقدة. ولذلك كانت لوحاته سهلة الاقتراب، لكنها عصية على الاستنفاد.
لم يقتصر تأثير حسين جمعان على إنتاجه الفني وحده، بل امتد إلى المجال الأكاديمي والنقدي. فقد أسهم عبر التدريس والإدارة الأكاديمية في تكوين أجيال من الفنانين السودانيين، وشغل مواقع مهمّة كان أبرزها عمادة كلية الفنون والتصميم.
وخلال مسيرته الطويلة نال عددًا من الجوائز المرموقة، من بينها جائزة نوما لأدب وفنون الأطفال باليابان، وجائزة الشراع الذهبي بالكويت، إضافة إلى نوط الجدارة في الإبداع السوداني.
لكن القيمة الحقيقية لحسين جمعان لا تقاس بعدد الجوائز أو المعارض، بل بما تركه من أثر في الوعي البصري السوداني. فقد كان واحدًا من الفنانين الذين أثبتوا أن الحداثة لا تعني الانفصال عن الجذور، وأن التراث مادة حيّة قابلة لإعادة الاكتشاف والابتكار.
وحين رحل في يونيو 2020، لم يغب اسمه عن المشهد التشكيلي السوداني، لأن الفنان الحقيقي لا يُقاس بسنوات حياته، بل بما يتركه من أسئلة ورؤى وجمال. وقد ترك حسين جمعان مدرسة كاملة في النظر إلى الفن بوصفه حوارًا مستمرًا بين المكان والإنسان، وبين التراث والمستقبل.
ولهذا سيظل اسمه حاضرًا بوصفه أحد أهم بناة الحداثة التشكيلية السودانية، فنانًا استطاع أن يجعل من اللوحة مساحة يلتقي فيها السودان القديم والسودان الممكن في آنٍ واحد..

Leave a Reply