يوسف الغوث
تلك هي الخرطوم في صيفها الملتهب بالحديد: عروس تربعت على عرش الجمر، توشحت غباراً، واكتحلت بدخان المدافع، ثم رفلت في أثواب الرصاص. دماؤها تجري في الشوارع كأنهار قرمزية، وجدرانها التي كانت تحفظ أسرار العاشقين، صارت اليوم تحفظ أسماء القتلى المكتوبة بلهيب عارم. وفي هذا المشهد الذي يبكي له الحجر قبل البشر، تتهاوى البيوت على صدور ساكنيها، وتصطف النعوش في انتظار حفار لا يكفيه الوقت، ثم تخرج علينا وزارة الثقافة برسالة لو أنها كتبت على ورق النار لكانت أرفق بنا!
تأمل العجب أيها القارئ؛ ترويسة الخرطوم تحمل شعارها المهيب المكتوب بمداد الحبر، وكأن كاتب النص يهذي بمدينة النور، أو إحدى مدن الضباب. تشعر منذ الوهلة الأولى للقراءة بأن كاتب الرسالة قد أضناه القـصف وأرهقته الهواجس، فسافر بعقله إلى باريس البعيدة هرباً من نار مكتبه المشتعلة! مدن آمنة في الخيال، وخرطوم سوداء في الواقع، يسكنها الموت ولا يسكنها الأحياء إلا على استحياء، وكم من مسافة بين الحلم والواقع تقطع بالأنين لا بالطائرات!
نحن في زمن يحصي فيه الجوع ضحاياه بالآلاف، وتعلن هيئات الإغاثة أن 19 مليونا ونصف يتعثرون في متاهات المجاعة، وأن 135 ألف روح تتراقص على حافة الهاوية، ورغم كل الألم جاءنا التعميم المبارك ليخبرنا عن (تجديد مساحات الصناعات الأدبية والفنية والبيئة)، فيا سبحان الله! أي بيئة تتحدثون عنها؟ أتراها البيئة التي تحولت إلى مرمى للقنابل، والتي تلفظ أنفاسها الأخيرة تحت وطأة الدبابات؟ أم المساحات التي صارت تقاس بالأشلاء لا بالأمتار؟ إنها لسخرية تفوق كل تصور، وكأنهم يريدون ترخيصاً للهواء الذي نتنفسه قبل أن يختنق بالبارود!
وأي فصحى تلك التي تزينت بها الوثيقة؟ (نرجو شاكرين التكرم بالالتزام بالموافقة لكم تهديداً لإجراءات الترخيص) ويا للهول! جملة كالغول البيروقراطي، تعج بالدين وكأنه خاتم دمغة لا عقيدة قلب، وكأن الإسلام تحول إلى إجراء تنفيذي يرهب به الفقراء، أو سوط يلوح به الموظف في وجه الجائعين! أإسلام هذا أم استسلام للعبث، أم هو دين جديد لم ينزل به جبريل، بل اخترعته دواوينكم المتعثرة؟
ثم ماذا عن حقوق النساء المؤهلات في مهنة التحصيل؟ يا لها من رقة خادعة ويا له من عطف مزيف! أي تحصيل تقصدون يا سادتي؟ أتحصيل الأرواح التي سقطت تحت القنابل في الأسواق، أم تحصيل فتات الخبز من تحت الركام، أم هو تحصيل الدمع الذي غسل وجوه الثكالى؟ نساؤنا اليوم لا يجمعن إلا الأشلاء، لا يلملمن إلا الحطام، لا يبحثن إلا عن بقايا أطفال تحت الصخور، يملأن الحقائب بذكريات محترقة، ولا يطلبن من دولتهم سوى وقف نار أحرقت كل شيء وأنتم تمارسون هذا الهذيان الإداري الماجن!
أيها الخطاب النائم في برجه العاجي، أنت لا ترى، ولا تسمع، ولا تشعر! أنت قرطاس أخرس، لا يبكي مع الباكين، ولا يصرخ مع المذبوحين. فبينما تتهاوى الخرطوم ويحاصر الأبيض، وتذبح الفاشر، أنت منهمك في ترتيب المرايا على جدران جحيمنا المشتعلة! تريد تزيين الوجوه التي شوهتها شظايا الصواريخ، وتنظم مساحات الفنون في مدينة تحولت إلى متحف مفتوح للفناء؟ أتراك تظن أن أحمر الشفاه يليق بشفة تنزف؟ أم أن المرآة تصلح في غرفة سقط سقفها على صدر طفل يافع؟
إنها، وبحق، قمة السخرية الموجعة، وذروة الهجاء المرير الذي لا يضحك عليه إلا من ذاق طعم الحديد وعرف طعم الجوع. يا وثيقة العار، يا نصب العبث التذكاري، أنت تجسدين الفجوة السحيقة بين ما تخطه الأقلام وما تدمره المدافع على الجدران، بين ما تنظمه الدواوين وما تفسده الحـروب في القلوب. فدعوا عنكم هذه الرخص الفارغة، وهذه المساحات الوهمية، وهذه الحواشي التجميلية التي لا تسمن ولا تغني من جوع. فلا حاجة لنا بمراكز تحصيل الحسن ونحن نحصي القتلى في كل شارع، ولا حاجة لنا بتراخيص الجمال ونحن نرى الجمال يموت أمام أعيننا بكل قذيفة تهوي من السماء.
يا خرطوم يا مدينة القسطنطينية الثانية في الصبر، يا أخت بغداد والأندلس في الحزن، متى ينكشف هذا الضباب الأسود عن عينيك الكحيلتين؟ متى يكتب البيروقراطيون خطاب استقالتهم من هذا الواقع المرير، ويتركونا نبكي بحرية دون حاجة إلى ترخيص؟ أتظنون أن القبر يحتاج إلى موافقتكم؟ كلا، فالقبر أوسع من بيروقراطياتكم، وأعدل من قوانينكم، ففي التراب يستوي الجميع، دون ترويسات ودون تعاميم!
ارحلوا عنا بمراياكم، فلن ننظر فيها، وارحلوا برخصكم، فلن يطلبها أحد، وادفنوا خطاباتكم مع موتاكم، فليس في جعبتنا مكان لمثل هذه المهازل، وما الموت هناك إلا رحمة من عذابكم!
#السو.دان #الخرطوم #الحـ.رب #مأساة_السو.دان #العبث_البيروقراطي #واقع_مؤلم #لا_للحـ.رب #صمود #الفاشر #الأبيض

Leave a Reply