الهدف – مختارات
محمد أحمد شبشة
حين تنشغل العواصم الكبرى بأمن الطاقة والملاحة في الخليج والبحر الأحمر، قد يبدو الحديث عن ديون السودان أقرب إلى ترفٍ أكاديمي في بلدٍ تمزقه الحرب منذ أكثر من ثلاث سنوات. لكن التجارب الحديثة تشير إلى أن ملفات الديون لا تصبح مهمة بعد انتهاء الحروب، بل في قلبها. ففي اللحظة التي تبدأ فيها القوى الدولية التفكير في شكل الإقليم بعد الأزمات، يتحول التمويل وإعفاء الديون وإعادة الإعمار من قضايا فنية إلى أدوات لإعادة رسم الخرائط السياسية، وإلى أوراق ضغط تُحدد من يجلس على طاولة التسوية ومن يُقصى عنها.
في الساعات الأولى من صباح التاسع والعشرين من يونيو 2021، كان المسؤولون الماليون السودانيون يتابعون بياناً مشتركاً صادراً عن مجلسي إدارة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي، أعلن أن السودان أصبح الدولة الثامنة والثلاثين التي تبلغ ما يُعرف بـ”نقطة القرار” ضمن مبادرة البلدان الفقيرة المثقلة بالديون. كان من المنتظر بموجب هذا التطور أن ينخفض الدين الخارجي السوداني من نحو ستة وخمسين مليار دولار، أي ما يعادل مئة وثلاثة وستين في المئة من الناتج المحلي الإجمالي آنذاك، إلى نحو ستة مليارات دولار فقط عند بلوغ نقطة الإتمام النهائية. كانت تلك اللحظة تمثل نهاية رحلة طويلة من العزلة الاقتصادية والعقوبات والتراكم المزمن للديون، وبداية مرحلة كان يُفترض أن تفتح الباب أمام الاستثمارات والتمويل الدولي وإعادة دمج السودان في الاقتصاد العالمي. لكن تلك المرحلة لم تولد أبداً.
ولفهم طبيعة ما ضاع، لا يكفي النظر إلى الرقم الإجمالي للدين السوداني. فالستة والخمسون مليار دولار التي كانت قائمة عند بلوغ نقطة القرار لم تكن كتلة واحدة متجانسة، بل شبكة معقدة من الدائنين والمصالح المتداخلة يكشف تركيبها الداخلي جانباً مهماً من طبيعة الملف. فبحسب بيانات صندوق النقد الدولي، يشكل الدائنون الثنائيون نحو ثمانية وسبعين في المئة من إجمالي الدين الخارجي السوداني، والمثير أن الدائن الأكبر ليس صندوق النقد ولا البنك الدولي ولا حتى الصين، بل الكويت التي تُقدَّر مستحقاتها بنحو عشرة مليارات دولار، تليها المملكة العربية السعودية بأكثر من ثلاثة مليارات. هذه الحقيقة وحدها تكشف أن القضية تتجاوز الحسابات الفنية التي تديرها مؤسسات بريتون وودز لتدخل مباشرة في نطاق التوازنات السياسية والإقليمية، وتجعل من الكويت والسعودية طرفين مؤثرين في مستقبل أي تسوية مالية لا يمكن تجاوزهما.
وفي الخامس والعشرين من أكتوبر 2021، تعرّض هذا المسار كله لضربة حاسمة حين أطاح الانقلاب العسكري بالحكومة الانتقالية، فأعلن البنك الدولي في اليوم التالي مباشرةً تعليق جميع مدفوعاته للسودان، وأكد نادي باريس لاحقاً أن اتفاق تخفيف الديون قد جُمِّد. ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتغلق الباب بالكامل، فانكمش الاقتصاد السوداني بنسبة سبعة وثلاثين في المئة خلال عام واحد ثم باثني عشر في المئة إضافية في العام الذي تلاه، وقفز التضخم إلى ما يتجاوز مئة وسبعين في المئة، بينما ارتفع الدين الخارجي إلى ما يقارب سبعة وستين مليار دولار. وهنا تبرز مفارقة تاريخية نادراً ما يُتوقف عندها، إذ كانت عملية الإعفاء المخصصة للسودان هي الأكبر في تاريخ المبادرة الدولية بأسرها، بلغت قيمتها نحو ثلاثة وعشرين مليار دولار بالقيمة الحالية، أي ما يعادل أكثر من ثلث إجمالي ما قدمته المبادرة لجميع الدول الأخرى مجتمعة، وقد ضاعت هذه الفرصة التاريخية خلال أقل من عامين.
غير أن النظر إلى هذا الملف باعتباره قضية اقتصادية بحتة يظل قراءة مضللة، لأن التاريخ القريب يوضح أن إعفاء الديون كثيراً ما استُخدم أداةً سياسية بقدر ما هو أداة تنموية. والسودان نفسه يقدم المثال الأوضح على ذلك، إذ جاء التقدم في ملف الإعفاء عام 2021 في التوقيت ذاته الذي شهد توقيع السودان على اتفاقيات أبراهام وإتمام التطبيع مع إسرائيل بعد إزالته من قائمة الدول الراعية للإرهاب. ولم يكن الربط بين المسارين خافياً، بل كان الإعفاء جزءاً من حزمة سياسية أوسع شملت إعادة التموضع الدبلوماسي بالكامل. وبالمثل حين قرر نادي باريس عام 2004 شطب ثمانين في المئة من ديون العراق، لم يكن القرار اقتصادياً، بل كان ركيزة في ترتيبات إعادة بناء النظام السياسي الذي نشأ بعد الغزو. في الحالتين لم يكن الإعفاء مجرد استحقاق مالي، بل كان جائزة لمن سار في الطريق الذي اختارته القوى الكبرى.
وإذا كانت خريطة الدائنين تكشف شيئاً اليوم، فهو أن القوى المؤثرة في هذا الملف لا تنظر إلى السودان بالطريقة ذاتها. فالغرب ومؤسسات التمويل الدولية يربطون أي عودة لمسار الإعفاء بوجود سلطة تتمتع بشرعية وقادرة على تنفيذ برنامج اقتصادي موثوق، وقد أظهر ما جرى بعد أكتوبر 2021 أن هذا الشرط ليس شكلياً. أما دول الخليج وعلى رأسها السعودية والكويت والإمارات فهي ليست مجرد دائنين بل أطراف مؤثرة في الاقتصاد السوداني عبر الودائع والاستثمارات والعلاقات التجارية، ولذلك فإن موقفها من أي تسوية مستقبلية سيتحدد أيضاً برؤيتها لموقع السودان في التوازنات الإقليمية الجديدة. أما الصين فتتحرك بمنطق مختلف، إذ تنظر إلى الديون والاستثمارات ضمن إطار أوسع يتعلق بالموانئ والبنية التحتية والممرات التجارية، وفي ظل تصاعد أهمية البحر الأحمر يصعب فصل المصلحة الصينية في السودان عن التنافس الدولي المتزايد حول الممرات البحرية. وهكذا لا يبدو السودان كدولة تفاوض على ديونها فحسب، بل كدولة يجري التفاوض أيضاً على موقعها داخل نظام إقليمي يتشكل من جديد.
ومع تصاعد التوترات الممتدة من الخليج إلى باب المندب والبحر الأحمر، بدأت أهمية الدول المطلة على هذه الممرات تتجاوز كثيراً وزنها الاقتصادي التقليدي، وبرز السودان بوصفه صاحب أحد أطول السواحل على البحر الأحمر وموقعاً جغرافياً يصعب تجاهله في أي ترتيبات تخص أمن الملاحة والتجارة الدولية. ومن هذه الزاوية قد لا يعود ملف الديون إلى الأجندة الدولية بسبب الاعتبارات الإنسانية والتنموية وحدها، بل لأنه أصبح مرتبطاً بأسئلة الأمن الإقليمي واستقرار الممرات البحرية. لكن المنطق ذاته قد يعمل في الاتجاه المعاكس، فكلما طال أمد الحرب وتعقدت التوازنات الداخلية، ازدادت احتمالات استخدام العزلة المالية والعقوبات وتجميد التمويل أدواتٍ للضغط لإعادة تشكيل البيئة السياسية السودانية. وهكذا يصبح ملف الديون معلقاً بين مسارين متناقضين لا ثالث لهما في المدى المنظور: الإعفاء بوصفه أداة لإعادة الدمج، والعقوبات بوصفها أداة للإخضاع.
قد يبدو الحديث عن الديون سابقاً لأوانه في بلد لا تزال المعارك مشتعلة في أجزاء واسعة منه، لكن التجارب الحديثة تثبت العكس، فمفاوضات الديون وإعادة الإعمار تبدأ غالباً قبل انتهاء الحروب لا بعدها. ولذلك لم يعد السؤال الأهم هو كم تبلغ ديون السودان، بل من سيمتلك الشرعية السياسية التي تخوّله التفاوض بشأنها، ومن سيحدد شروط العودة إلى النظام المالي الدولي، وهل ستُستخدم الديون مستقبلاً أداةً لمساعدة السودان على النهوض، أم ورقةً إضافية في صراع النفوذ المتصاعد حول البحر الأحمر والقرن الإفريقي. وإذا كانت الديون تكشف كيف تنظر القوى الدولية إلى السودان من زاوية المال والتمويل، فإن السؤال التالي يتعلق بالسياسة الصرفة: هل تدفع التحولات الجارية في الخليج والبحر الأحمر الخرطوم إلى إعادة تموضع إقليمي جديد؟ وهل يستطيع السودان اختيار موقعه في خريطة المحاور المتنافسة، أم أن الآخرين هم من سيختارون نيابة عنه؟

Leave a Reply