عماد عبد الله
سألتني: البغني ده منو؟
البنت التي لم تستبن ملامح الولد الملحمة أحمد ربشة سألت: “البغني ده منو؟”
قلت: يا ربي، الشافعة دي.. أما بلغ سمعها نقنقة العود عنده والتنهدات الطروب في صوته الفريد؟ وكيف أن أنامله استباحت سطوة الآلة المسحورة تلك وجبروتها، حتى استكانت الأوتار لفنكهته البراها تلك، فارتخت وأذعنت، فراقت وفدحت؟ فتحكّر هو عليها سيداً خلاسياً الصولجان، رايات سلطنته موروثة من لدن دم بلاد بونط وبراقش بلقيس الملوكية.
صوته ذاك الذي يفرض أحكامه على الخلجات، فتسكن وتطمئن وتهدأ فتستمخ.
ذاك كله ما بلغها، ولا له التفتت! أصلو شنو؟
البنت الحلوة التي لم تستبن ملامح الملحمة أحمد ربشة سألتني ببساطة وبراءة: “إنت الزول البغني ده منو؟”
لم أتفاجأ. مستغرق كنت في عوالم الزول الذي هبش الشحححح فينا ثم غادر. غفرت لها، ولي حق هذا الولد الذي جاءنا فُسراعاً، وفي سُراعه مضى. غفرت.
وكنت ما سمعت ربشة منذ سنين، وأعرفني في ذلك عاصياً وعاقاً ومذنباً. إذ كيف تسنى لي طناش من صاحب جيلنا كله، واحداً واحداً، وتشاركنا وإياه أحلامنا وفتوة صخبنا وكثير أسرار همسنا بها في أذن ذلك الزمان؟
ما الذي يجعل ربشة يغني للمغنين غناءهم، فينسخه لجبروت صوته، وعليه يرفع شارات الاستعمار الخلّاق، ويخليهم خشومهم ملح ملح؟
أزعم أني استصحبت الغناء حلماً حيثما وجهت وجهي، وحيثما فرط حالي المجوبق. فأنا راجل صاحب عِيَا، وترياقي الشافي لعِيَا الروح هو ياهو غنانا ده.
وأشهد بأنك، يا أيها الغناء السوداني، ملجأي وملاذي في الزمن السفيه، وأن أساطينك هم سادتي وأولياء نعمة متعتي.
من أول سيدي علي الشايقي، عبوراً للاحقين من الطنبارة والمطاليق في البوادي والحواضر، تحت إبلهم في بطانة كنانة، وفوق شبرياتهم في جنان السهل الكردفاني، وحتى حنين المادحين تحت هيبة البركل وفوق أفواف النخل، وإلى عند مناحات أبل الفَزِي ووَزِي محاربي البجا، وخوارات مزازيك تيران البالينبو، وأوركسترا الوازا.
حتى سادتي الكرام: أبو داؤ ود، وردي، الشفيع، العاقب، صالح الضي، صلاح محمد عيسى، التاج مصطفى، عبد الحميد يوسف، سيد خليفة، الجابري، أولاد المأمون، سرور، أولاد حاج الماحي، صديق أحمد حمدون، أحمد المصطفى، حامد العربي، حسن عطية، محمد الأمين، أولاد الموردة، كرومة، الحاج سرور، زنقار، رمضان حسن، ود المقرن، عبد المنعم حسيب، عبد القادر سالم، موسى أبا، محمد كرم الله، عثمان حسين، عركي، زيدان، عثمان مصطفى، ود البنا، النعام، بَلّاص، الخليل، أحمد الطيب، خليل إسماعين، أم بلينة، عاشة، منى الخير، مهلة العبادية، فاطنة الحاج، عوض الجاك، بادي، إسحق كرم الله، صديق أحمد، الشيخ عوض عمر.. و و و.
كنوز وراها كنوز.. لا حد ولا عد.
لكن ربشة جانا مختلف.
ربشة براحه.
ربشة بينسرب جواك تووووشك، وبشويش بشويش، بروقة وحلاوة وسلطنة جديدة علينا.
ربشة كان كل شأنه حلو.
(خذوا دنياكم هذه
فدنياواتنا كثرُ)
يترقرق بها ماء صوته العذوب على مزامير أوتار عوده المسحور، مقصياً سيدي الكابلي برفق، فدامغاً بختمه على سمعنا: نحن الرعية السميعة العطشى لشربة نظمأ بعدها، ونظل أبداً.
يفعل ربشة ذلك، وكابلي هو كابلي، زي ما هو: سيدي كابلي.. الكبير الجميل.
ثم بشويش يزحف ربشة بجحافل حنجرته إلى حبيبي وسيدي عثمان الشفيع، الشفيع الذي تعلمنا البكاء على حسو نمير أغنياته كلما أوغل مساء الخميس، وتهدل تماسك أمرنا فانفرط:
“إلا فيك إنت شفت كل جديد
عجز الوحي أن يفيك ويشيد”
فيخيل إلي أن روح الشفيع تدمع طرية.
وهكذا.. هكذا.. هكذا.
أبقى ربشة على عاداته الفاتنات تلك؛ لا يرحم أغنية سودانية صمدية يتبتبها بصوته، إلا وانقادت له، وانعجنت محلباً يدلك به خاطر ليالينا زمانئذٍ، فنتجمل زي الترتيب، ويسلس أمرنا فيستعدل.
ربشة بصم على الغنا السوداني.. ومشى.
وامتد نور مشكاته مساً لطيفاً للمغنين من بعده، من أول الهادي الجبل لغاية عند عامر الجوهري فمحمود عبد العزيز.
ولسه باهر الضوء هو، شديد الالتماع زي ما هو.
معلّماً، ومدرسة، وكوناً من نغم.
ثم آخر ما آخر، تجي هذه البت الجميلة تقول لي: “البغني ده منو”؟
أعضّيك يعني، ولا أسوي شنو أنا هسه؟
سيدي اليمناصومداني أحمد عوض ربشة.

Leave a Reply