ليلى صلاح
هناك أشياء تمرّ بنا فنقول إنها صدفة، ثم تمضي الأيام لنكتشف أنها كانت تقف عند الباب منذ البداية، تنتظر فقط أن ننتبه.
لم أفقد تعاطفي مع المتسوّلين في الشوارع، لكنني تعلّمت أن أحيّد قلبي قليلًا حتى أستطيع العبور. أعطي إن كان معي، وأعتذر إن لم يكن، ثم أمضي دون أن أجرّ خلفي ذلك الشعور الثقيل بالذنب، كان العالم كله موضوع في جيبي “ربما ليس تمامًا”.
إلا هذا الشيخ.
رجل تجاوز السبعين ربما، أسمر، نحيل، أبيض الشعر، وله ابتسامة لا تشبه ابتسامات البشر العاديين؛ ابتسامة فيها شيء من الطمأنينة القديمة، كأنها جاءت من زمن كان الناس فيه أخفّ قسوة.
كان يقترب من نافذة السيارة بوداعة مدهشة، لكن الغريب أن ابتسامته كانت تصل قبله دائمًا، وكذلك لطفه، ووقاره، وذلك الحزن النظيف في عينيه. كان يذكّرني بأبي الراحل، بالطريقة نفسها التي كان يقترب بها من العالم، كأنه يعتذر له رغم أنه لم يؤذِ أحدًا يومًا.
في المرة الأولى، رفع ورقة يشرح فيها ظروفه، لكنني لم أملك شيئًا أعطيه له. اعتذرت بخجل، ووعدته أن أحضر له شيئًا في اليوم التالي، فأنا أعبر هذا الشارع كل يوم في التوقيت نفسه تقريبًا.
لكن الحكاية لم تتوقّف هناك..
كان لديّ أمر عالق، عقدة قديمة تؤلمني بصمت، شيء لا أعرف كيف ينفك ولا كيف أخرج منه. وفجأة خطرت لي تلك الفكرة الغريبة التي لا تأتي إلا للقلوب المتعبة: ماذا لو كان هذا الرجل هو سيدنا الخضر نفسه، ذلك العابر الغامض الذي يظهر في هيئة بشر عاديين ليختبر شيئًا لا نراه؟
وماذا لو أن الحياة أرسلت لي هذا الشيخ، لا ليأخذ مالًا، بل ليقيس ما تبقّى في روحي من رحمة قبل أن تفكّ عقدتي الثقيلة؟
ضحكت من الفكرة، لكنها لم تغادرني.
في اليوم التالي، جهّزت النقود قبل أن أخرج، ووضعتها بجانبي كأنني أحمل وعدًا صغيرًا يجب ألا أخونه. وحين اقتربت من مكانه، تحوّلت إشارة المرور فجأة إلى الأحمر، كان العالم كله يقول لي: توقّفي الآن بالضبط.
اقترب الرجل، بالابتسامة نفسها، تلك الابتسامة التي تجعل القلب يهدأ دون أن يعرف لماذا. ناولته النقود، لكنني في الحقيقة وضعت في يده أكثر من المال؛ وضعت خوفي، وحيرتي، وتعبي الطويل، وذلك الثقل الذي ظلّ جالسًا فوق صدري لأشهر..
ابتسم الشيخ وأومأ برأسه ببطء، ولا أعرف لماذا شعرت أن الطمأنينة نفسها قد لمستني للحظة، كأن أحدًا قال لروحي بصوت خافت جدًا: لا تقلقي.. لقد سُمعتِ أخيرًا.
ثم فُتحت الإشارة، وانطلقتُ أبتسم وحدي في السيارة، كأنني خرجت للتو من صلاة لا تشبه الصلوات المعتادة.
سأنام الليلة مطمئنة قليلًا..
أنتظر لا معجزة كبيرة، فقط تلك الإشارة الصغيرة التي تقول إن العقد القديمة يمكن للحياة أحيانًا أن تفكّها، عبر شيخٍ مجهول يقف بهدوء على رصيف عادي جدًا.

Leave a Reply