كلمة العدد:  “الشغل ما عيب”.. العيب حال الفنانين!

صحيفة الهدف

لم تكن الصورة التي نشرها الفنان عبد السلام جلّود وهو يبيع العصائر والمياه الباردة في أحد أسواق بورتسودان مجرد مشهد عابر في فضاء الحياة اليومية، بل بدت كأنها تلخيص بصري مكثف لمرحلة كاملة يعيشها السودان تحت وطأة الحرب وآثارها.
صورة يتقاطع فيها الخاص بالعام، والفردي بالجماعي، لتفتح سؤالًا أوسع من حدودها: ماذا يحدث للمبدع حين تضيق به الجغرافيا، وينكسر فيها فضاء العمل، وتنهار شروط الاستمرار؟
تحت عبارة بسيطة “الشغل ما عيب” التي كتبها جلّود، تتكشف طبقات عميقة من التحول القاسي الذي طال حياة الفنانين والمثقفين، إلى جانب ملايين السودانيين الذين وجدوا أنفسهم بين النزوح وفقدان الدخل وإعادة تعريف معنى البقاء. فالحرب لم تكتفِ بإعادة تشكيل الحياة، بل امتدت لتعيد تشكيل واقع العمل والرزق، بعد أن دفعت كثيرًا من المبدعين من خشبات المسرح واستوديوهات العمل إلى أسواق العمل اليومي، حيث تختلط الكرامة بالحاجة، والموهبة بضرورات العيش.
المعطيات والشهادات المتداولة في الوسط الثقافي تؤكّد أن عددًا من الفنانين اضطروا خلال الفترة الماضية إلى مغادرة مناطقهم أو التوقف الكامل عن ممارسة أعمالهم الإبداعية، بعد توقف الإنتاج الفني وتعطّل المؤسسات الثقافية. بعضهم نزح داخل السودان أو إلى دول الجوار، وآخرون تفرّقوا في منافي بعيدة، حيث يواجهون ظروفًا معيشية قاسية، لا تتيح في أحيان كثيرة الحد الأدنى من الاستقرار أو الرعاية الصحية أو الدخل المنتظم.
وفي مدن مثل مدني وكسلا وبورتسودان، وجد فنانون آخرون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع واقع اقتصادي ضاغط، اضطرّ بعضهم معه إلى العيش في دور الإيواء والعمل في مهن بسيطة لتأمين لقمة العيش، في مشهد يعيد طرح السؤال القديم الجديد حول العلاقة بين المجتمع ومبدعيه، وبين القيمة الرمزية للفن وشروط الحياة المادية.
إن ما تكشفه هذه الصورة لا يتوقف عند حدود التعاطف مع حالة فردية، بل يمتد إلى مساءلة أعمق: كيف يمكن للثقافة أن تستمر في بيئة تتآكل فيها بنيتها التحتية؟ وكيف يُعاد تعريف دور الفنان حين يتحول من منتج للمعنى إلى باحث عن الحد الأدنى من الاستمرار؟
ومع أن العبارة التي رافقت الصورة لا تخلو من قوة داخلية خاصة، لأنها رغم بساطتها تحمل معنى المقاومة ورفض الانكسار، وعلى الإصرار على الحياة بوصفها فعل بقاء قبل أن تكون اختيارًا مهنيًا، إلا أنها في الوقت نفسه شهادة مؤلمة على حجم التحولات التي فرضتها الحرب على المجتمع كله، وعلى الوسط الثقافي على وجه الخصوص.
هكذا قد تتحول لقطة واحدة إلى مدخل لملف أوسع، لا يروي فقط حكايات المبدعين تحت ضغط الحرب والنزوح، بل يضعنا أمام سؤال جوهري حول مصير الثقافة حين تُدفع إلى الهامش، وحول معنى الكرامة حين يصبح “الشغل ما عيب” ليس مجرد عبارة، بل شرطًا للبقاء.
لا تُقدَّم الحرب هنا كحدث سياسي أو عسكري فقط، بل كتحول عميق في بنية الحياة اليومية، يعيد تشكيل العلاقات بين الإنسان ومهنته، وبين الإبداع وضرورات البقاء. عندها لا تعود صورة الفنان العامل في السوق مفارقة، بل تصبح علامة على زمن اختلت فيه الموازين، وتراجعت فيه شروط الإنتاج الثقافي لصالح منطق النجاة.
وإننا نعجب حين تُطرح الحرب بوصفها قابلة للتبرير أو التجميل في بعض الخطابات، بينما يردّ الواقع على دعاتها بصمته الخاص؛ صمتٌ لا يجادل ولا يشرح، بل يظهر في التفاصيل الصغيرة للحياة المنهكة، وفي وجوهٍ أُثقلت بالاحتمال، وفي حيواتٍ أُجبرت على مغادرة سياقها الطبيعي نحو حدود البقاء العاري، حيث لا يبقى من المعنى إلا ما يُنتزع من قسوة اليومي.
ستشرق شمس السلام حتمًا، ويعود جلّود وكل المبدعين إلى فضاءٍ طبيعي للحياة والعطاء، في بيئةٍ تليق بالإنسان، وتحفظ للمبدع حقه في أن يبدع لا أن ينجو فقط، وتعيد للثقافة مكانها بوصفها جزءًا من معنى الحياة لا هامشًا عليها.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.