هموم: غدير ميرغني.. الإنسان الفنان

صحيفة الهدف

مجدي علي

في الأزمنة التي تتصدّع فيها القيم والمعاني قبل أن تتصدّع المدن، لا تعود الحروب مجرّد أحداث دامية تُقاس بعدد الضحايا ومساحات الخراب، بل تتحوّل إلى اختبارٍ قاسٍ للضمير الإنساني.. هناك لا يكون السؤال: ماذا خسرنا؟ بل ماذا قدّمنا للآخرين وسط العتمة؟ وما الذي فعلناه ليبقى الأمل ممكنًا والحياة أكثر احتمالًا؟ ففي أوقات الكوارث لا يُقاس الإنسان بما جناه، بل بما يمنحه، حين يصبح العطاء شكلًا من أشكال المقاومة، ويغدو التضامن فعلًا يحفظ المعانى من السقوط.
الحرب، في جوهرها، لا تكتفي بإعادة تشكيل الجغرافيا، بل تعيد تفكيك معنى الإنسان نفسه؛ تُربك الحياة، وتشوّه المجتمعات، وتضع الإنسان أمام مرآة قاسية لا يرى فيها ما يريد أن يكون، بل ما صار إليه فعلًا. وفي مثل هذا السياق، يغدو الموقف الأخلاقي أكثر ندرة من النجاة الجسدية، ويصبح الانحياز للإنسان فعلًا يتجاوز الشعارات إلى منطقة أقرب إلى المجاهدة الصعبة.
في ظلمة هذا الواقع المعقّد الذي فرضته الحرب في السودان، تبرز نماذج نادرة تؤمن بما تقول وتقول بما تؤمن به. وإني على يقين أن الفنان غدير ميرغني واحدٌ منهم.
أجزم أن كثيرين ظلّوا على “هامش” المأساة، بل إن بعضهم اتخذوا فنهم مساحةً للظهور أو طريقًا إلى حياةٍ رغيدة، لكن غدير سلك طريق الصالحين، فجعل من الحرب امتحانًا يوميًا للضمير، واختبارًا دائمًا لمعنى أن تكون حاضرًا في العالم دون أن تتواطأ مع قسوته.
في زمنٍ تتناقص وتتناقض فيه الدلالات، اختار غدير ميرغني أن ينحاز إلى الإنسان حين يكون مكسورًا، لا حين يكون قابلًا للاستهلاك. لم يركض خلف الضوء، بل اتجه إلى المناطق التي فقدت قدرتها على إنتاجه، حيث لا يعود للفن وظيفة الترفيه، بل إعادة تركيب الحسّ المشترك بين البشر.
أذكر أنني تشرفت قبل فترة بإجراء حوار معه، ما بقي في الذاكرة مما قال لم يكن إجابات جاهزة، بل طريقته في التفكير في الفن ذاته. كان يتحدّث عنه لا بوصفه “مهنة”، بل شكلًا من أشكال الإصغاء العميق للعالم، وكأنّ الفنان في تصوّره ليس من يضيف إلى الضجيج طبقة جديدة، بل من يحاول استعادة قدرة الإنسان على سماع الإنسان.
كان يتحدّث عن يشغله.. النساء في مراكز النزوح، والأطفال الذين لم تعد الطفولة بالنسبة لهم سوى ذاكرة بعيدة، والشباب الذين وجدوا أنفسهم فجأة داخل عالم لا يشبه أي معنى سابق تعلّموه، وكان يتحدّث عنهم كأنهم جوهر الفن لا موضوعه.
وكلما مرّ الوقت وأنا أراقب ما يقوم به، ازددت يقينًا بصدقه وهو يحوّل قناعاته إلى فعل. فمنذ الأيام الأولى للحرب، حمل غدير خبرته المسرحية، وهو الخبير، إلى مراكز الإيواء ومجتمعات النزوح، حيث يتحوّل المسرح من شكلٍ جمالي إلى أداةٍ للنجاة الرمزية، ويمنح من ظلمهم العالم فرصة للكلام. مدركًا أن الحرب لا تدمّر البنى فقط، بل تدمّر القدرة على التفاهم؛ فحين تنكسر اللغة يصبح العنف اللغة البديلة، وحين يغيب الإصغاء يصبح الخوف هو القاعدة الوحيدة للتواصل.
في ذلك الحوار قال لي إن “الحل في الفن”.. قد تبدو العبارة للوهلة الأولى نوعًا من المثالية، لكنها في جوهرها تشخيص للأزمة؛ فالمشكلة لم تكن غياب الحلول، بل انهيار القدرة على الاستماع، ومن اللحظة التي صار فيها كل طرف يرى في صوته وحده الحقيقة الكاملة.
ومن هذا المنظور، تبدو مبادراته مع الشباب الصم في ولاية كسلا الأيام الماضية، والتي انتهت بتأسيس فرقة “نبض الإشارة”، أكثر من مجرد نشاط تدريبي؛ إنها إعادة تعريف لفكرة الإنسان نفسها، وطرح لسؤال العدالة الرمزية: من له الحق في أن يُرى ويُسمع ويُعتبر جزءًا من الحكاية؟
في زمنٍ باتت فيه القيمة تُقاس بعدد المعجبين والمتابعين، يذكّرنا غدير بأن الفن لا يكتسب شرعيته من حجم الانتشار، بل من طبيعة الأثر الذي يتركه في حياة الناس. فالفن ليس وسيلةً لتضخيم الذات ولا منصةً لاقتطاع المكاسب من جراح الآخرين، بل موقفٌ أخلاقي يتجلى في لحظة الاختيار بين الإنسان والمصلحة. وبينما حوّل بعضهم الألم إلى مادةٍ للاستعراض، والخراب إلى فرصةٍ للربح أو صناعة الفرجة، اختار هو أن يجعل من فنه فعلَ مواساةٍ ومقاومة، وأن ينحاز للإنسان في اللحظة التي يتخلى عنه فيها كثيرون..
ففي أزمنة الكوارث لا يكشف الفن عن الموهبة وحدها، بل يكشف أيضًا عن الضمير.
إن ما يفعله غدير ميرغني اليوم لا يمكن اختزاله في توصيف مهني أو نشاط ثقافي، لأنه في جوهره دفاع عن الإنسان في لحظة ضعفه؛ دفاع عن حقه في ألا يُختزل إلى رقم أو صورة عابرة، وعن حقه في أن يظل قادرًا على الحلم حتى في أكثر اللحظات قسوة.
حديثي عن غدير لا يندرج في إطار الاحتفاء بفنان، فالكلمات مهما بلغت لا توازي ما يفعله، بل هو محاولة لفهم كيف يمكن للمثقف أن يتحوّل إلى فعلٍ إنساني، وكيف يمكن للمسرح أن يصبح مساحةً لترميم ما تعجز السياسة والخطابات الثقافية عن ترميمه من شروخ الإنسان والواقع.
ولو كانت هناك عدالة رمزية تُنصف هذا الإصرار الإنساني وتكرّمه، لكان غدير ميرغني أحد أولئك الذين يستحقونها. ليس لأنه فنان، بل لأنه اختار أن يبقى داخل فنه، وأن يضعه في خدمة الإنسان.
غدير ميرغني.. كم أحبّك أيها الفنان الإنسان.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.