راما عبد الله
لا تكشف الهزائم الرياضية دائمًا مستوى الفرق داخل الملعب فحسب، بل تكشف أحيانًا مستوى الوعي خارج الملعب أيضًا. وما حدث من سخرية واسعة من منتخب السيدات السوداني لم يكن مجرد تعليق عابر على نتيجة مباراة، بل تحوّل إلى اختبار حقيقي لطريقة نظرنا إلى المرأة السودانية، وإلى الظروف الاستثنائية التي تعيشها البلاد.
في الأيام الماضية تحوّلت نتائج منتخب السيدات السوداني لكرة القدم إلى مادة للسخرية والتندّر على وسائل التواصل الاجتماعي، ولم يتوقّف الأمر عند حدود النقد الرياضي المشروع، بل تجاوزه إلى الاستهزاء بالمرأة السودانية نفسها، وكأن ما حدث في الملعب دليل على عجز النساء أو قصورهن، لا على واقع رياضي يحتاج إلى دعم وتراكم وتجربة طويلة.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية.
فمن السهل أن يتوقّف الناس عند نتيجة ثقيلة في مباراة لكرة القدم، لكن الأصعب أن يسألوا: من هنّ هؤلاء اللاعبات؟ وما الظروف التي جئن منها وهن يرتدين قميص الوطن؟
منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، كانت المرأة السودانية من أكثر الفئات تضرّرًا. فقدت كثيرات بيوتهن وأمنهن واستقرارهن، وتحمّلن أعباء إعالة الأسر في ظروف النزوح واللجوء، كما واجهت آلاف النساء انتهاكات قاسية ستظل من أكثر الصفحات إيلامًا في هذه الحرب.
وفي الوقت الذي كانت فيه منتخبات العالم تتلقى التدريب والدعم والرعاية، كانت ملايين السودانيات يخضن معركة مختلفة تمامًا؛ معركة البقاء والحفاظ على الحد الأدنى من مقومات الحياة.
لذلك فإن قراءة نتائج المنتخب بمعزل عن هذا الواقع تبدو قراءة مبتورة. فرياضة المرأة في السودان لم تحظَ، حتى قبل الحرب، بما يكفي من الاهتمام والدعم، ولم تتوفر لها البنية التحتية أو المنافسات المنتظمة أو برامج الإعداد القادرة على صناعة منتخب ينافس على المستويات القارية.
وعندما جاءت الحرب تضاعفت هذه التحديات، وأصاب الدمار مختلف مؤسسات الدولة والمجتمع، بما في ذلك القطاع الرياضي.
لهذا فإن الهزيمة لا تخص اللاعبات وحدهن، بل تعكس سنوات طويلة من الإهمال وضعف التخطيط وغياب الاستثمار في الرياضة النسوية.
ومع ذلك، فإن ما يستحق التقدير ليس النتيجة بقدر ما هي الإرادة. فمجرد وجود منتخب نسائي سوداني على أرض الملعب في ظل هذه الظروف الاستثنائية يمثل رسالة صمود وإصرار، كما أن إصرار الفتاة السودانية على ممارسة الرياضة وسط هذا الخراب هو في حد ذاته انتصار على اليأس والاستسلام.
ومن حق الجميع أن ينتقد الأداء الفني، وأن يطالب بالتطوير والمحاسبة وتحسين مستوى الإعداد، لكن ليس من حق أحد أن يحوّل معاناة المرأة السودانية إلى مادة للسخرية أو التهكّم.
فالمرأة السودانية لا تحتاج إلى شفقة، وإنما إلى فرص عادلة وبيئة داعمة تتيح لها أن تُظهر قدراتها الحقيقية. أما الأحكام القاسية المبنية على نتيجة مباراة واحدة، فهي لا تنصف الرياضة ولا تنصف المرأة ولا تنصف الواقع الذي تعيشه البلاد.
وإذا كانت الحرب قد أثقلت كاهل السودانيات بما يكفي، فلا ينبغي أن نضيف إلى أعبائهن قسوة أخرى باسم السخرية أو الأحكام المتعجّلة. فالأمم التي تحترم نفسها لا تستهزئ بمن يحاولون النهوض وسط الركام، بل تساندهم حتى يصبحوا قادرين على تحقيق ما يطمحون إليه.
ليست القضية في عدد الأهداف التي دخلت الشباك، بل في عدد الجراح التي تحملها هؤلاء اللاعبات وهن يدخلن الملعب. ومن السهل أن نسخر من النتيجة، لكن الأصعب والأجدر أن نسأل: ماذا قدمنا لهن قبل أن نطالبهن بالانتصار؟

Leave a Reply