ابراهيم الصغير ..
لم تكن أمري القديمة مكانًا نمرّ به في الحياة ..
بل كانت الحياة نفسها كما عرفناها أول مرة ..
هناك ..
لم نكن نتعلّم العيش فقط ..
بل نتعلّم كيف يكون للمكان روح، وللتراب ذاكرة، وللصمت معنى لا يُقال ..
كنا نكبر ببطء يشبه نموّ الأشجار في مواسم المطر ..
لا شيء كان مستعجلًا ..
حتى الزمن نفسه كان يبدو أقل ضجيجًا مما نعرفه اليوم ..
كانت الأرض تُنادى بأسمائها لا بأرقامها ..
العرقوب .. السويقي .. الغنانيم ..
ساقية وقيع الله .. الرقيقي .. الصداديق .. الفقرة ..
الغرّاب .. الجماميع ..
أم عشرة ..
أب حراز ..
كأن كل اسم كان يحمل حكاية صغيرة لا تُروى كاملة أبدًا ..
والجزر أيضًا ..
أم دراس .. المجدي .. مرتين .. النير .. عجيبة .. السنطات .. الغابة .. القيزان .. التركاب ..
الشقلة .. الحليلات .. الرويس ..
دار حسان ..
لم تكن مجرد جغرافيا ..
كانت امتدادًا للحياة نفسها، حين كانت الحياة أكثر قربًا من الأرض وأقلّ تعقيدًا من الخرائط ..
ثم وراءها، حيث تمتد الأرض بلا حراسة :
التمرة .. عتلي .. سلتوت .. أم دومة .. أم ثاني .. الشطب .. كندي ..
ثم دار العرب:
أم كليت .. سرج المسيح .. تميرية ..
خور الضان .. العجومة .. القويز ..
القليعة …
كنا نحفظها كما نحفظ ملامح أهلنا ..
لا كما تُحفظ الخرائط في الكتب ..
ثم جاء ما لم يكن يشبهها ..
جاءت الأرقام ..
القرية 2 ..
القرية 3 ..
القرية 4 ..
القرية 5 ..
وكأن شيئًا داخليًا كان يُسحب بهدوء من ذاكرته الأولى، دون أن يُسأل عن رأيه ..
ولست أقول هذا رفضًا للمكان الجديد ..
ففي وادي المقدم عشنا أعوامًا، وكبرنا، وتعلمنا كيف نمشي الحياة كما هي، لا كما نريدها ..
غير أن بعض الأمكنة لا تُستبدل ..
حتى لو صرنا نعيش في غيرها عمرًا كاملًا ..
عشرون عامًا مرّت في وادي المقدم ..
لكن شيئًا في الداخل ظلّ يعود بلا استئذان ..
ليس حنينًا فقط ..
بل استدعاءً مفاجئًا لصورٍ نظن أننا تجاوزناها، ثم نكتشف أنها لم تتجاوزنا أبدًا ..
حتى الأحلام ..
كانت تميل دون سبب واضح إلى هناك ..
كأن الذاكرة حين ترتاح ..
تختار أمري القديمة دون نقاش ..
لم تكن هناك كهرباء عامة ..
ولا أسواق كبيرة ..
ولا متنزهات بالمعنى المعروف ..
لكن البلد كلها كانت مساحة مفتوحة للحياة ..
لا تحتاج أن تذهب إلى مكان جميل ..
لأنك كنت تعيش داخل الجمال نفسه دون أن تسميه ..
حتى الطعام ..
لم يكن مجرد طعام ..
كان يحمل طمأنينة لا نعرف مصدرها الآن ..
ربما كانت القناعة أقلّ كلامًا وأكثر حضورًا ..
وربما كانت الحياة نفسها أبسط مما تسمح لنا ذاكرتنا أن ننساه ..
وكان الناس أقرب إلى بعضهم من أي تعريف ..
لا أبواب مغلقة على فكرة “الخصوصية” كما نعرفها اليوم ..
ولا مسافات طويلة بين الجيران ..
الأفراح كانت تُقسم على الجميع ..
والأحزان لا تبقى في بيت واحد مهما حاولت ..
وفي الجروف ..
تلك الأرض التي يفيض فيها النهر في الدميرة ثم يعود ليترك أثره في التراب ..
كنا نرى الحياة نفسها وهي تُمحى وتُكتب من جديد كل موسم ..
كأن الأرض تتذكر وتنسى كما نفعل نحن تمامًا ..
ومع ذلك كله ..
لم يكن الفقد في المكان الجديد ..
بل في أول مكان عرفنا فيه أنفسنا دون أن ننتبه أننا نتشكل هناك ..
فالأماكن الأولى لا تغادرنا ..
هي فقط تبتعد قليلًا في الجغرافيا، لكنها تقترب أكثر في الداخل ..
غادرنا أمري القديمة يومًا ..
لكنها لم تغادرنا أبدًا ..
صارت تسكن التفاصيل الصغيرة ..
الروائح التي لا نعرف من أين تأتي ..
والأحلام التي لا نستغربها مهما تكررت ..
وفي النهاية ..
ليس كل مكان يُعاش مرتين ..
بعضه يُعاش مرة واحدة فقط ..
ثم يظل يعيش فينا إلى آخر العمر ..
وأمري القديمة كانت من هذا النوع

Leave a Reply