أبوبكر الطيب
دائما في السياسة والإدارة والرياضة، هناك نوعان من المراجعات:
مراجعات يولدها الضمير… ومراجعات تلدها الخسارة.
والفارق بينهما كبير كالفارق بين من يطفئ الحريق خوفاً على البيت، ومن يهرب منه بعد أن تأكد أن السقف سيسقط فوق الجميع.
تصريحات مولانا محمد سليمان حلفا الأخيرة لا تمر على الشارع الرياضي مرور الكلمات والجمل المحفوظة، لأنها لم تصدر من مراقب يجلس خارج أسوار الاتحاد، ولا من صحفي معارض، ولا من نادٍ متضرر ظل يصرخ لسنوات،وإنما خرجت من داخل “المطبخ الاتحادي” نفسه… من رجل يجلس في قلب السلطة، وقلب الحدث ويعرف تفاصيل الغرف المظلمة أكثر من غيره.
وعندما يقول نائب رئيس الاتحاد ورئيس لجنة المسابقات إن “الصمت على الانتهاكات يشجع مرتكبيها الاستمرار فيها فإن السؤال الطبيعي ليس:
من يقصد؟ ولكن لماذا صمت هو نفسه طوال الفترة الماضية؟
هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
فمولانا حلفا ليس موظفاً هامشياً داخل المنظومة حتى نقول إنه اكتشف الحقائق متأخراً، وإنما هو أحد الوجوه الأساسية التي صنعت هذا الواقع منذ لحظة التأسيس الأولى لتحالف “التغيير”.
ومنذ جمعية مروي الشهيرة، كان الرجل جزءاً من هندسة المشروع، وشريكاً في معادلاته وتحالفاته وتسوياته، وهوى أحد الذين دافعوا عن فلسفة “القائمة” التي أنتجت هذا الشكل السيئ من الإدارة، حيث تتحول المجموعة إلى كتلة صماء لا تسمح بالنقد ولا التباين ولا حتى حق الاختلاف.
ولذلك، فإن أسوأ ما جاء في تصريحات حلفا ليس مضمونها ولكن توقيتها.
لماذا الآن تحديداً؟
ولماذا بعد أن تمددت الأخطاء حتى صارت حديث الشارع الرياضي كله؟
ولماذا بعد أن وصلت قرارات الاتحاد إلى مرحلة هزت هيبة المنافسات واللوائح في محكمة التحكيم الرياضية الدولية ؟
أين كانت هذه اللغة عندما انفجرت أزمات التسجيلات؟
وأين كانت هذه “الغيرة القانونية” عندما تحولت بعض القرارات إلى مادة للسخرية والتندر؟
وأين كانت هذه الشجاعة عندما تم العبث بمبدأ عدالة المنافسة عبر قرارات مثل إلغاء الهبوط وتصعيد الأندية وفق حسابات أربكت المشهد كله؟
إن المشكلة لا في أن يراجع الإنسان نفسه، فالمراجعة فضيلة، ولكن في أن يتحول من كان جزءاً من صناعة الأزمة إلى واعظ أخلاقي دون أن يقدم كشف حساب حقيقياً لدوره فيها.
ولهذا، فإن الشارع الرياضي من حقه أن يتعامل بحذر مع هذه التصريحات، لأنها حتى الآن لا تزال تدور داخل منطقة “الرسائل السياسية” أكثر من كونها مشروع إصلاح حقيقي.
فالذي يريد الإصلاح فعلاً لا يكتفي بمنشور في “فيسبوك”، وإنما يبدأ بخطوات واضحة:
* إما كشف الحقائق كاملة للرأي العام،
* أو تقديم مذكرة إصلاح داخل المجلس،
* أو الاستقالة المسببة التي تضع الجميع أمام مسؤولياتهم.
أما الاكتفاء بعبارات عامة عن “الانتهاكات” دون تسمية الأشياء بأسمائها، فهو أقرب إلى التكتيك السياسي منه إلى الثورة الإصلاحية.
وإن أقبح ما في هذا النوع من التصريحات أنه قد يتحول إلى “رسالة ضغط داخلية” بين أجنحة المجموعة الحاكمة نفسها.
رسالة تقول:
“أنا أملك ملفات… فلا تتجاوزوني.”
وهنا يصبح الحديث عن الإصلاح مجرد أداة لإعادة توزيع النفوذ، لا لإعادة بناء المؤسسة.
ومن يتابع مسار مجموعة التغيير منذ وصولها للحكم، يدرك أن الأزمة لم تكن فقط في الأشخاص، ولكن في الفكرة نفسها؛ فكرة تحويل الاتحاد إلى مساحة مغلقة تُدار بمنطق الولاءات والتحالفات، لا بمنطق المؤسسات.
لقد جاءت المجموعة بشعارات الإصلاح، لكنها مع الوقت وقعت في ذات الفخ الذي كانت تنتقده:
احتكار القرار، تضييق دائرة المشاركة، وتقديم الحسابات السياسية على مصلحة اللعبة.
ولذلك فإن أي مراجعة حقيقية يجب ألا تبدأ بمحمد حلفا وحده، وإنما بالاعتراف الجماعي بأن التجربة كلها تحتاج إلى إعادة تقييم شاملة.
أما إذا أراد مولانا حلفا أن يقنع الناس بأنه دخل مرحلة “الضمير الإداري”، فعليه أولاً أن يواجه تاريخه بشجاعة، وأن يكتب اعترافاته بيده قبل أن يطالب الآخرين بالمحاسبة.
لأن الناس لا تحاكم التصريحات… وإنما تحاكم المواقف.
وحتى هذه اللحظة، لا تزال الأسئلة أكبر من الإجابات:
هل نحن أمام صحوة ضمير حقيقية؟
أم أمام بداية صراع أجنحة داخل سفينة بدأت تميل وتغرق ؟
وهل يريد الرجل إصلاح المؤسسة؟
أم فقط إعادة تموضعه وتمركزه داخلها؟
ذلك ما ستجيب عنه الأيام… لا المنشورات.
وأهلك العرب قالوا:
كل ديك في بلدو عوعاي
والله المستعان

Leave a Reply