في عالم مشتعل بالخلافات، وممزق بالحدود، ومنهوب بالاستعمار الجديد، ومظلوم بالفيتو والوصاية، هناك بقعة واحدة لا تزال تحتفظ ببعض العدالة: ملعب كرة القدم. قوانينه واحدة، تنطبق على الجميع دون استثناء؛ لا تفرق بين غني وفقير، ولا بين أبيض وأسود، ولا بين عربي وأعجمي، ولا بين شمالي وجنوبي. التسلل يبقى تسللاً سواء ارتكبه نجم العالم أو لاعب الهواة، والخطأ يبقى خطأ سواء صدر من لاعب المنتخب الغني أو المنتخب الفقير.
في عالمٍ يسقط فيه الفيتو الأميركي إرادة الشعوب، وحيث القانون الدولي يُنتهك بحصانة دائمة لكيان احتل أرضاً وشرد شعباً، يبقى قانون كرة القدم هو القانون الوحيد الذي لا يقبل المحسوبية. لا وساطة فيه، ولا توصية، ولا ضغط سياسي؛ الحكم يطلق صافرته والجميع يخضع، حتى أكبر نجوم العالم. هذه المفارقة ليست صغيرة، إنها تختصر أزمة الإنسانية كلها: نستطيع أن نصنع عدالة في لعبة، لكننا نعجز عن صنعها في حياة شعوب بأكملها.
كل أربع سنوات، يتوقف العالم عن الصراع ليصفق للهدف. كأس العالم هو الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: أن البشر، رغم كل ما يفرقهم، يمكن أن يتحدوا حول شيء واحد. في كأس العالم، لا أحد يسأل عن دين اللاعب أو لون بشرته أو جنسيته أو انتمائه السياسي؛ الجميع يحتفلون معاً: الغني والفقير، العامل والوزير، الطفل العاجز والرياضي المحترف، والمناضل الفلس.طينـي (باستثناء أولئك الذين يرفضون الرياضة رفضاً مبدئياً، وهم قلة). المشجعون يتحدثون لغة واحدة: لغة الكرة. ففي زمن تكثر فيه خطابات الكراهية وتتصاعد فيه النعرات الطائفية والعنصرية، يظل كأس العالم تذكيراً دورياً بأن الإنسان يمكن أن يكون أفضل، وأن هناك أشياء تجمعنا أكثر مما تفرقنا، وأن الأرض يمكن أن تتسع للجميع إذا امتدت روح الرياضة إلى السياسة.
لكن الحلم يتبدد عندما تنتهي المباراة، لنعود إلى واقعنا المأزوم: صراعات في أوكرانيا والسودان وغ.زة واليمن، وظلم في فلس.طين واليمن وسوريا، ومج.ازر بحق الشعوب الضعيفة، وفيتو أميركي يحمي المجرمين ويجرم الضحايا. لماذا لا يمكن أن يكون قانون كرة القدم نموذجاً لقوانين العالم؟ لماذا لا نطبق قاعدة (لا تسأل عن الاسم، اسأل عن الفعل) على السياسة الدولية؟ لماذا لا نعاقب المخالف بالقانون ذاته، سواء كان كبيراً أم صغيراً؟
في كرة القدم، الحكم هو السلطة العليا، وقراره نافذ حتى لو كان مخطئاً، ولا يمكن لأي لاعب أن يستخدم (الفيتو) ليلغي قراراً لا يعجبه. أما في السياسة الدولية فالحال مختلف؛ هناك خمسة حكّام كبار يملكون حق (الفيتو)، أي حق إلغاء أي قرار لا يخدم مصالحهم. روسيا تستخدم الفيتو لحماية حلفائها، والصين تستخدمه لنفس السبب، والولايات المتحدة تستخدمه أكثر من أي دولة أخرى – غالباً لحماية الكيان الصهيوني من أي قرار يدين جرائمه. هل يمكن تخيل أن فريقاً لديه القدرة على إلغاء قرار الحكم لمجرد أنه لا يعجبه؟ الجواب البديهي: هذه ليست رياضة، هذه مهزلة! لكن في عالمنا، هذه المهزلة تسمى (النظام الدولي). كأس العالم يذكرنا بأن العدالة ممكنة، لكنه في الوقت نفسه يذكرنا بأنها ممكنة فقط في الملعب، وليس في ساحات السياسة، وهذا بحد ذاته مأساة.
عندما يتحدث البعض عن (سياسة الرياضة) بحساسية مفرطة، يتناسون أن الرياضة كانت دائماً جزءاً من التدافع السياسي والأخلاقي. مقاطعة أولمبياد موسكو 1980 كانت سياسية، ومقاطعة أولمبياد لوس أنجلوس 1984 كانت سياسية، وعقوبات الاتحاد الدولي على روسيا بعد خطوتها في أوكرانيا كانت سياسية؛ فالرياضة يمكن أن تكون سلاحاً، وعندما يستضيف العالم كأس العالم، فإنه يختار ما إذا كان سيتجاهل الانتهاكات أم سيتخذ موقفاً.
اليوم، وبينما يتبارى أفضل لاعبي العالم، فإن ظلال الأحداث لا تغيب عن المشهد: أوكرانيا تدافع عن وجودها، والسودان ينهار في ح.رب عبثية، وفلس.طين تنزف تحت الاحتلال، واليمن وسوريا وليبيا تئن تحت وطأة صراعات لا تنتهي.
هل يمكن أن نطالب الفيفا بأن يكون أكثر جرأة في مواقفه؟ هل يمكن أن نطالب بأن تكون استضافة البطولة مشروطة باحترام حقوق الإنسان؟ هل يمكن أن نطالب بأن تكون الملاعب ساحة للمقاومة السلمية، وليس فقط للمتعة؟ أسئلة تُطرح، لكنها نادراً ما تجد إجابة، لأن الرياضة تحاول أن تكون (محايدة)، والحياد في وجه الظلم هو ظلم أكبر.
في السودان الذي مزقته الح.رب، ما زال هناك شيء واحد يوحد السودانيين: حب كرة القدم. فعندما يلعب المنتخب السوداني مباراة مهمة، تتوقف المواجهات مؤقتاً؛ المشجعون من كل الأطراف يتحدون في التشجيع، والجهات المتصارعة تتوقف عن إطلاق النـار لمدة 90 دقيقة ليشاهدوا كرة تسكن الشباك. هذه ليست سخرية، هذه حقيقة؛ الرياضة تفعل ما تعجز عنه السياسة، الرياضة توحد ما تفرقه المصالح، الرياضة تجعل الإنسان يتذكر أنه إنسان قبل أن يكون من مؤيدي هذا الطرف أو ذاك.
وفي هذا السياق، فإن كأس العالم هو تجسيد لذلك الحلم: عالم بلا حدود، بلا فيتو، بلا وصاية، بلا تمييز. عالم يحكمه قانون واحد، وعدالة واحدة، وهدف واحد: أن تكون الكرة في الشباك، وأن تنتهي المباراة بالسلام لا بالصراع.
كأس العالم يأتي ويرحل، لكن الأسئلة تبقى: متى نطبق قواعد الملعب على قواعد العالم؟ متى يصبح القانون الدولي كقانون كرة القدم: واضحاً، نافذاً، لا يحتمل التأويل، ولا يقبل المحاباة؟ نحن نعلم أن هذا حلم، لكن الأحلام الكبيرة بدأت كأفكار بسيطة. ومن يدري؟ ربما يوماً ما، يتعلم الساسة من اللاعبين؛ يتعلمون كيف يكون العدل، كيف تكون الروح الرياضية، كيف تكون المنافسة شريفة، كيف يكون الخاسر راضياً، وكيف يكون الفائز متواضعاً. حينها فقط، سيكون كأس العالم مجرد كأس، وليس رمزاً لفكرة لم تتحقق بعد. فهل نصل إلى ذلك اليوم؟
تحية لكل من يجعلون الكرة المستديرة تبكي فرحاً في عالم يبكي ألماً، تحية لكل مشجع يؤمن أن الرياضة يمكن أن تغيّر العالم، وتحية لفلس.طين والسودان وأوكرانيا والأحواز، وكل شعب ينتظر أن تنتهي مباراة الظلم ليبدأ عصر العدل.
كل عام وكأس العالم يذكرنا بأن الإنسان كان يمكن أن يكون أفضل.

Leave a Reply