هموم: المقاطعة الثقافية لـ”المحتل”.. عودة الضمير الإنساني

صحيفة الهدف

مجدي علي

ليست هذه المرة الأولى التي تتخذ فيها الثقافة موقفًا يتقدّم على السياسة.. فمنذ أن عرف الإنسان الفن والأدب، ظل المبدعون في كثير من الأحيان أكثر حساسية تجاه الألم الإنساني من الساسة وأصحاب القرار، وأكثر قدرة على التقاط التحوّلات الأخلاقية العميقة التي قد تعجز المؤسسات السياسية عن رؤيتها أو الاعتراف بها. ولهذا فإن ما يشهده العالم اليوم من اتساع لظاهرة المقاطعة الثقافية والفنية والأدبية للكيان الصهيوني لا يمكن النظر إليه باعتباره مجرد موقف احتجاجي عابر، بل بوصفه تحولًا لافتًا في المزاج الثقافي العالمي.
فخلال هذا العام لم تعد القضية الفلسطينية حاضرة فقط في نشرات الأخبار أو أروقة السياسة الدولية، بل أصبحت موضوعًا مركزيًا داخل المسارح وقاعات الموسيقى والجامعات ودور النشر والمهرجانات الأدبية، وهذا تحوّل يستحق الوقوف..
بدا الأمر وكأن قطاعًا واسعًا من المثقفين والفنانين حول العالم قرّر أن يتجاوز حدود التضامن الرمزي إلى مواقف عملية تعبر عن رفضه لما يجري في غزّة، عن قناعته بأن الثقافة لا يمكن أن تعيش في منطقة محايدة عندما يتعلق الأمر بمأساة إنسانية بهذا الحجم.
قبل أيام فقط وقّع أكثر من ألف موسيقي وفنان على حملة (لا موسيقى من أجل الإبادة)، التي تحولت إلى واحدة من أكبر المبادرات الفنية الاحتجاجية خلال السنوات الأخيرة، مطالبة بمقاطعة مسابقة يوروفيجن بسبب مشاركة “إسرائيل” فيها. ولم تكن أهمية هذه الحملة في عدد الموقّعين فقط، بل في طبيعة الأسماء التي انضمت إليها؛ أسماء صنعت جزءًا مهمًا من الذاكرة الموسيقية المعاصرة، وأدركت أن الصمت لم يعد ممكنًا.
وفي المجال الأدبي، اتخذت المقاطعة شكلًا أكثر عمقًا.. فالأدب بطبيعته ينحاز إلى الإنسان الفرد، إلى الضحية المجهولة التي لا تظهر في البيانات الرسمية. ولهذا انضم مئات الكتّاب والمثقّفين إلى دعوات المقاطعة، معتبرين أن الدفاع عن الكرامة الإنسانية ليس موقفًا سياسيًا بقدر ما هو التزام أخلاقي. وحين يوقّع روائيون وشعراء ومفكّرون عالميون بيانات احتجاج جماعية، فإنهم لا يدافعون عن موقف أيديولوجي بقدر ما يدافعون عن الفكرة التي قامت عليها الثقافة نفسها: الاعتراف بإنسانية الآخر.
وفي سياق هذا التصاعد، شهدت أوروبا خلال ما مضى من هذا العام انتقالًا لافتًا للمقاطعة من مستوى الخطاب إلى مساءلة بنية التمويل الثقافي نفسها، حيث وقع أكثر من 250 فنانًا وكاتبًا وعاملًا ثقافيًا في بريطانيا رسالة مفتوحة تطالب مؤسسات مسرحية كبرى بإنهاء شراكاتها مع جهات تمويل خيرية مرتبطة بمشاريع داخل “إسرائيل”. وجاء في الرسالة أن استمرار هذه الشراكات يقوّض الالتزامات الأخلاقية التي تعلنها المؤسسات الثقافية، ويفتح سؤالًا أعمق حول حدود “الحياد الفني” حين يتقاطع مع شبكات دعم سياسية واقتصادية حسّاسة..
وفي فرنسا وإيطاليا، اتخذ الحراك أشكالًا أكثر مباشرة، إذ تحوّلت مشاريع ثقافية كبرى ومعارض دولية إلى ساحات جدل حاد حول التمويل والشراكات الصناعية المرتبطة بشركات لها علاقات بالصناعات العسكرية “الإسرائيلية”. كما برزت احتجاجات داخل فعاليات فنية كبرى في أوروبا، رافقتها دعوات لمراجعة فكرة “التلميع الثقافي” الذي تستخدمه بعض المؤسسات الفنية لتقديم واجهات جمالية لواقع سياسي معقّد.
غير أن ما يحدث اليوم يضع هذه الصورة أمام اختبار غير مسبوق. فحين ينسحب كاتب من مهرجان، أو يرفض موسيقي المشاركة في فعالية، أو تتزايد الدعوات لمراجعة العلاقات الثقافية والأكاديمية، فإن المسألة لا تتعلّق بخسارة حدث هنا أو نشاط هناك، بل بتآكل تدريجي للصورة التي سعت “إسرائيل” إلى ترسيخها لعقود. ولهذا تبدو المقاطعة الثقافية مصدر قلق متزايد داخل أوساطخك، لأنها تستهدف ما يُعرف بالقوة الناعمة، أي القدرة على كسب التعاطف والتأثير خارج نطاق السياسة المباشرة.
وربما لهذا السبب تحديدًا تثير المقاطعة الثقافية كل هذا الجدل. فهي لا تغلق حدودًا ولا تفرض عقوبات اقتصادية، لكنها تطرح سؤالًا أخلاقيًا يصعب الهروب منه. فالفنان الذي يرفض المشاركة، والكاتب الذي يوقع بيانًا احتجاجيًا، والموسيقي الذي يرفع صوته، لا يملكون سلطة سياسية، لكنهم يملكون القدرة على إعادة تشكيل الوعي العام، وعلى نقل القضية من لغة الأرقام والتقارير إلى لغة المشاعر والضمير.
إن ما يميز هذا العام هو أن الثقافة العالمية بدت وكأنها تستعيد دورها القديم. لم تعد مجرد مساحة للإبداع أو الترفيه، بل تحوّلت إلى ساحة للمساءلة الأخلاقية. وبينما ظلت السياسة تدور في حلقات المصالح والحسابات المعقّدة، اختار كثير من الفنانين والكتاب أن ينظروا إلى المشهد من زاوية أخرى؛ زاوية الإنسان الذي يفقد بيته، أو أطفاله، أو حقّه في الحياة.
قد يختلف الناس حول جدوى المقاطعة أو حدودها أو نتائجها، لكن ما يصعب إنكاره هو أن الحركة الثقافية العالمية نجحت في إبقاء القضية حية داخل الضمير الإنساني. فحين يتكلم الفن، لا يفعل ذلك بلغة البيانات الرسمية، بل بلغة أعمق وأكثر بقاءً. لغة تجعل المأساة مرئية، وتحول الألم إلى ذاكرة، وتمنح الذين لا صوت لهم فرصة لأن يُسمعوا.
ولهذا لا تبدو المقاطعة الثقافية مجرد موقف من كيان محتل أو من الحرب في غزّة، بل تبدو اختبارًا لدور الثقافة نفسها. هل تكتفي الفنون بمراقبة العالم من بعيد، أم تنخرط في الدفاع عن القيم الإنسانية حين تتعرّض للخطر؟
ما تشير إليه الأشهر الماضية أن عددًا متزايدًا من الفنانين والكتّاب اختار الإجابة الثانية، مؤمنين بأن الثقافة والفنون، في نهاية المطاف، ليست “زينة ولهو”، بل أحد أشكال الضمير الإنساني.

Be the first to comment

Leave a Reply

Your email address will not be published.