غيب الموت قبل أيام الفنان الشعبي عبد الوهاب الصادق بمدينة أم درمان، بعد رحلة طويلة مع المرض، ليطوي بذلك أحد أبرز الأصوات التي شكّلت ملامح الغناء الشعبي المحدّث في السودان خلال عقود من العطاء.
ينتمي الراحل إلى جيل السبعينيات الذي شهد ازدهارًا كبيرًا في المشهد الغنائي السوداني، وهي مرحلة يعتبرها النقاد العصر الذهبي للأغنية، حيث تداخلت فيها مدارس الغناء الحديث وموسيقى الجاز والغناء الشعبي في حالة من الحراك الفني الواسع. وسط هذا الزخم، استطاع عبد الوهاب الصادق أن يفرض حضوره كصوت مختلف، قريب من الناس، ومشحون بروح الحياة اليومية البسيطة.
ولد الفنان الراحل في أبو قوتة بولاية الجزيرة عام 1946، قبل أن ينتقل إلى الخرطوم في ستينيات القرن الماضي سعيًا لتطوير موهبته. عمل في الشرطة ثم التحق بسلاح الموسيقى، وظل مرتبطًا بالمجالين النظامي والفني حتى تقاعده في عام 2007، دون أن ينفصل عن مشروعه الغنائي الذي رافقه طوال حياته.
بدأت ملامح شهرته مع أغنية (هل لي هلالو) للشاعر محمود أبو العلا، والتي لفتت الانتباه إلى صوته مبكرًا، قبل أن تتوالى أعماله التي وجدت انتشارًا واسعًا مثل (حبايبي الحلوين)، (ست الريد بقت قسّاية)، (بعد ما فات الأوان)، (ما أحلى التصافي من بعد التجافي)، و(بعد ده كلو كمان بتبكي)، إضافة إلى أغنيته الوطنية الشهيرة (بالطول بالعرض سودانا يهز الأرض) التي ارتبطت بالحماس الرياضي والوجدان الوطني.
امتاز عبد الوهاب الصادق بصوت وُصف بالقوي والعذب في آنٍ واحد، وبقدرة أداء جعلت أغنياته سهلة الحفظ والترديد، وهو ما ساهم في بقائها حيّة في الذاكرة الشعبية حتى اليوم. كما لم يكن فنانًا تقليديًا من حيث التوزيع الموسيقي، إذ أدخل بعض الآلات مثل البيز جيتار والماندولين، في محاولة لتوسيع الإيقاع وإغناء الخلفية اللحنية، ما فتح الباب أمام تجارب لاحقة في الأغنية الشعبية.
وفي رؤيته للفن، كان الراحل يؤمن بأن جوهر الأغنية لا يُمسّ، وأن التجديد لا يعني تغيير الهوية، بل تطوير الوسائل. وكان يقول: “الفنان هو الذي يقود الآلة لا العكس”، في إشارة إلى أولوية النص واللحن على التقنية المجردة، وهي فلسفة ظل متمسكًا بها طوال مسيرته.
تعامل عبد الوهاب الصادق مع عدد من أبرز شعراء الأغنية السودانية، من بينهم محمود أبو العلا، عوض جبريل، إسماعيل خورشيد، التجاني حاج موسى، مكاوي الشيخ الأمين، محمود فلاح ويوسف محمد يوسف، وغيرهم، وشكلت هذه الشراكات جزءًا مهمًا من نجاحه وانتشار أعماله.
ورغم نجاحه الفني، واجه الراحل في سنواته الأخيرة معاناة صحية مع مرض السكري، الذي أثر على حنجرته وأبعده تدريجيًا عن الغناء، في تجربة قاسية لفنان ارتبط صوته بحياته اليومية ومكانته الفنية.
وفي واحدة من رسائله التي بقيت بمثابة وصية فنية، قال: “احترام الكلمة الرصينة والنص القوي هو صك الأمان لبقاء الفنان في وجدان الناس”، وهي عبارة تلخّص رؤيته للفن باعتباره مسؤولية قبل أن يكون شهرة.
برحيل عبد الوهاب الصادق، تفقد الساحة الفنية السودانية أحد أعمدتها البارزة، وصوتًا ظل حاضرًا في وجدان الجمهور، وترك إرثًا غنائيًا سيبقى جزءًا من الذاكرة الموسيقية في البلاد.

Leave a Reply